التهديدات الأميركية للجمهورية الإسلامية الإيرانية وحرب الوجود وتغيير المعادلات الدولية بقلم يوسف أبو سامر موسى

✍️يوسف أبو سامر موسى باحث سياسي / فلسطين
تتصاعد في الآونة الأخيرة حدّة التهديدات الأميركية الموجهة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في مشهد يتجاوز حدود التصعيد السياسي التقليدي، ليقترب أكثر فأكثر من ملامح حرب وجود تستهدف كسر إرادة دولة محورية في الإقليم، وإعادة رسم موازين القوى الدولية وفق منطق الهيمنة والقوة العارية. فالمواجهة المحتملة لا يمكن قراءتها باعتبارها صراعًا ثنائيًا بين واشنطن وطهران، بل هي معركة مفصلية تمسّ مستقبل النظام الدولي برمّته.
إيران في قلب الاستهداف الاستراتيجي
لم تكن إيران يومًا هدفًا معزولًا في الاستراتيجية الأميركية، بل تمثل حجر عثرة أساسيًا أمام المشروع الأميركي–الصهيوني في الشرق الأوسط. فاستقلال القرار الإيراني، وتطور قدراته العسكرية، وتمدد نفوذه السياسي عبر شبكة تحالفات إقليمية، شكّل تحديًا مباشرًا لمنظومة الهيمنة الغربية، خاصة في منطقة تُعدّ الخزان الأكبر للطاقة ومفترق طرق التجارة العالمية.
إن التهديدات الأميركية، سواء جاءت تحت عنوان الملف النووي أو الأمن الإقليمي، تخفي في جوهرها هدفًا أعمق: إخضاع إيران أو إسقاط نموذجها السياسي المقاوم، لما يحمله من تأثير معنوي واستراتيجي على شعوب المنطقة وقوى التحرر فيها.
محور المقاومة: معركة واحدة وساحات متعددة
في مقابل هذا التصعيد، جاء إعلان فصائل المقاومة في العراق واليمن، وحزب الله، والمقاومة الفلسطينية، الانحياز التام والجهوزية الكاملة لمساندة إيران، ليؤكد أن أي عدوان لن يبقى محصورًا في الجغرافيا الإيرانية. فمحور المقاومة بات ينظر إلى المعركة باعتبارها معركة مصير مشترك: أن نكون أو لا نكون.
إن تدخل محور المقاومة، في حال اندلاع المواجهة، سيعني انتقال الصراع إلى مستوى إقليمي واسع، حيث تتعدد الجبهات وتتشابك الساحات، ما يفقد الولايات المتحدة وحلفاءها القدرة على التحكم بمسار الحرب أو حصر نتائجها. وهذا ما يدركه صناع القرار في واشنطن، ويجعل خيار الحرب الشاملة محفوفًا بالمخاطر الاستراتيجية غير المحسوبة.
المقاومة الفلسطينية: البوصلة والجوهر
لا يمكن فصل موقف المقاومة الفلسطينية عن هذا السياق، ففلسطين كانت وما زالت جوهر الصراع في المنطقة. وأي ضربة لمحور المقاومة هي، بالضرورة، خدمة مباشرة للمشروع الصهيوني. من هنا، فإن انخراط المقاومة الفلسطينية في معادلة الدعم والمساندة لإيران لا يأتي من باب التحالف الظرفي، بل من منطلق وحدة المعركة ضد عدو واحد، يستخدم أدوات متعددة وأقنعة مختلفة.
حلفاء إيران الدوليون: بين المصالح والاختبار التاريخي
على المستوى الدولي، تبرز تساؤلات جوهرية حول الدور المتوقع لحلفاء إيران، لا سيما روسيا والصين ودول مجموعة «بريكس». فالمواجهة المحتملة لا تستهدف إيران وحدها، بل تمثل محاولة أميركية لإعادة فرض نظام القطب الواحد، والتحكم بمصادر الطاقة، وخطوط الإمداد، والاقتصاد العالمي، تحت شعار «حماية المصالح» ووفق منطق القوة.
روسيا، التي تواجه بدورها صراعًا مفتوحًا مع الغرب، تدرك أن كسر إيران سيعني تضييق الخناق عليها لاحقًا. أما الصين، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار تدفقات الطاقة، فترى في أي فوضى مفتعلة تهديدًا مباشرًا لمشروعها الاقتصادي العالمي. من هنا، فإن موقف هذه القوى لن يكون تفصيليًا، بل جزءًا من معركة أوسع على شكل النظام الدولي القادم.
معركة العالم لا معركة إيران فقط
إن ما يجري اليوم هو صراع على من يحكم العالم، ومن يضع قواعده. فالولايات المتحدة لم تعد تخفي سعيها لاستخدام القوة العسكرية والاقتصادية لفرض إرادتها، حتى لو أدى ذلك إلى إشعال حروب واسعة، وتدمير دول، وزعزعة استقرار شعوب بأكملها.
ختاماً التهديدات الأميركية لإيران ليست حدثًا عابرًا، بل مؤشر خطير على مرحلة جديدة من الصراع الدولي. إنها معركة وجود ومحاولة لتغيير المعادلات، لكنّها في الوقت نفسه اختبار حقيقي لمحور المقاومة، وللقوى الدولية الصاعدة، ولإمكانية ولادة نظام عالمي أكثر توازنًا وعدالة.
فإما أن تنجح واشنطن في فرض منطق القوة، أو تفرض الشعوب ومعها قوى المقاومة منطق السيادة والكرامة، وتكتب فصلًا جديدًا في تاريخ الصراع الدولي.
يوسف أبو سامر موسى باحث سياسي / فلسطين
15 كانون ثاني 2026






