بأقلامنا

     التداخل والإفتراق بين فكرة الدولة والسلطة والإستعصاءات بقلم عبد الهادي محفوظ

                           التداخل والإفتراق بين فكرة الدولة والسلطة والإستعصاءات

الدولة شيء والسلطة السياسية شيء آخر. التمايز بين الإثنين شاسع وإن كان هناك تداخل إلزامي.

يكثر الكلام هذه الأيام عن بناء الدولة. وهذه مسألة إيجابية أنجبها خطاب القسم للرئيس العماد جوزاف عون. لكن بناء الدولة أمر ليس بالسهل وإن كان فخامة الرئيس قد وضع أسسه بالتركيز على الإصلاح السياسي والإداري والإنماء ومواجهة الفساد وإصلاح القضاء. وكل ذلك مشروط بفكرة المواطنة التي تستعصي على التحقق في ظل نظام طوائفي تتحكم به سلطة سياسية طوائفية ترتهن عموما إلى الخارج وتختلف أو تتفق وفقا لمصالح زعاماتها لا وفقا لاعتبارات مواطنة جامعة ينتجها ’’متحد اجتماعي وتاريخي‘‘ على ما كرره المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي في الثلاثينات ومعه المفكر القومي أنطون سعادة ومن ثم الإصلاحي الإمام السيد موسى الصدر.

ما يتهدد العالم العربي حاليا من تجزئة ومن شكوك بين مكوّناته هو أنه لا تاريخ لـ’’الدولة‘‘عمليا إلا في مصر من زمن الفراعنة. ويندرج هذا الأمر على لبنان حيث كانت المحاولة الأولى اليتيمة لبناء الدولة مع الرئيس الراحل الجنرال فؤاد شهاب والذي عند انتخابه رئيسا دقت أجراس الكنائس بإيحاء من زعماء الإقطاع السياسي الماروني احتجاجا عليه. حيث أدرك هؤلاء الزعماء أن فؤاد شهاب يهدد مواقعهم في السلطة السياسية ومعهم من يشابههم في الإقطاع السياسي المسلم.

والواقع أنه تجاوب مع الجنرال فؤاد شهاب نخبة من المفكرين. منهم وزير الخارجية السابق الدكتور  فؤاد بطرس والدكتور شارل رزق والمطران غريغوار حداد والدكتور حسن صعب والدكتور محمد  المجذوب وأيضا المحامي ميشال إده. كما أن محاولته الإصاحية تجاوبت معها الأطراف اللبنانية وتحديدا في البقاع وعكار فيما لم تتجاوب معها المراكز المدينية التي تنتمي إلى ’’نظام المتصرفية‘‘ الذي استأثر بالمنافع للسلطة السياسية الطوائفية واستتبع ’’ملحقاتها الطائفية‘‘ خارجه.

ينبغي أن نعترف أنه بين النخب الفكرية كان الدكتور شارل رزق قد أدرك الصعوبات التي تعترض المحاولة الشهابية لبناء الدولة. من هنا كان توجهه إلى بناء ’’حاملة اجتماعية‘‘ غير طوائفية تشكل ’’شبكة أمان‘‘ لمسعى بناء الدولة. غير أن ’’الإقطاع السياسي‘‘ حال دون تعزيز ’’فكرة المشترك‘‘ بين اللبنانيين عبر إمساكه بـ’’الورفة الطائفية‘‘.

وهنا ورغم مرونة الرئيس العماد جوزاف عون وتدويره للزوايا فإن ’’محاولته الإصلاحية‘‘ تعترضها نفس العوائق التي واجهت سلفه الجنرال فؤاد شهاب. ولذلك يمكنه أن يزاوج بين أمرين تسهيلا للعبور إلى ’’بناء الدولة‘‘. الأمر الأول هو أن الخارج الدولي والمعطى المحلي يعطي ’’وزنا هاما‘‘ للمؤسسة العسكرية المؤهلة للإستعصاء على السلطة السياسية الطوائفية والمتأثرة بتاريخها في التجربة الشهابية. والأمر الثاني هو الدفع باتجاه تكوين ’’الحاضنة الشعبية الإجتماعية‘‘ لخريطة الطريق التي رسمها خطاب القسم.

خارج هذه المزاوجة ’’بناء الدولة‘‘ يبقى حلما ولا نقع إلا على تجميل النظام الطائفي واستعصائه على أي إصلاح حقيقي.

عبد الهادي محفوظ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى