بأقلامنا

غرينلاند… حين تطرق البلطجة الترامبية أبواب النظام الدولي. بقلم يوسف أبو سامر موسى

لم تعد تهديدات دونالد ترمب مجرّد زلات لسان أو شعبوية انتخابية، بل باتت تعبيرًا فاضحًا عن تحوّل خطير في سلوك القوة الأمريكية من منطق القيادة الدولية إلى منطق “قانون الغاب”. فالحديث عن الاستيلاء على جزيرة غرينلاند، واختطاف رؤساء، ومصادرة سفن تجارية، ليس سوى مؤشرات على انفلات سياسي وأخلاقي يهدد بتقويض ما تبقى من النظام الدولي.
غرينلاند ليست أرضًا بلا سيادة، بل إقليم يتمتع بحكم ذاتي ويتبع لمملكة الدنمارك، العضو الكامل في حلف شمال الأطلسي. أي تهديد أمريكي لها لا يمكن قراءته إلا بوصفه تهديدًا مباشرًا لدولة عضو في الناتو، أي للحلف نفسه الذي تقوده واشنطن. وهنا تتجلى المفارقة الكارثية: كيف يمكن لقائد الحلف أن يتحول إلى خصم داخلي ينسف فلسفة الدفاع المشترك من أساسها؟
إن الإقدام – حتى على مستوى التهديد – يشكل خرقًا صارخًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويضع المادة الخامسة من ميثاق الناتو أمام اختبار وجودي. فإذا كان الاعتداء يأتي من داخل الحلف، فهل يبقى الحلف تحالف قيم أم يتحول إلى أداة بيد القوة الأقوى؟
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأرجح يتمثل في سياسة الضغط دون استخدام القوة: تهديد، ابتزاز اقتصادي، ومحاولات فرض أمر واقع سياسي أو تجاري طويل الأمد. هذا الأسلوب لا يهدف إلى السيطرة الفورية، بل إلى جس نبض أوروبا واختبار مدى استعدادها للتمرد على الوصاية الأمريكية.
لكن حتى هذا السيناريو “الناعم” سيؤدي إلى:
تصدّع عميق داخل الناتو.
تراجع الثقة الأوروبية بواشنطن.
تصاعد الدعوات لبناء منظومة دفاع أوروبية مستقلة.
أما السيناريو الأخطر، فهو الانتقال إلى استعراض قوة عسكري محدود في محيط الجزيرة. هنا لن يبقى الأمر أوروبيًا–أمريكيًا، بل سيتحول فورًا إلى ملف دولي بامتياز، لأن غرينلاند تقع في قلب الصراع على القطب الشمالي.
غرينلاند: الجغرافيا التي تُشعل العالم
الجزيرة ليست مجرد مساحة جليدية، بل:
مفتاح السيطرة على الممرات البحرية القطبية.
عقدة استراتيجية تتحكم بمستقبل التجارة العالمية مع ذوبان الجليد.
نقطة ضغط مباشرة على روسيا والصين، ولاحقًا على إيران عبر التحكم غير المباشر بحركة ناقلات الطاقة.
من هنا، فإن الطموح الترامبي لا يمكن فصله عن رسالة استراتيجية مزدوجة:
إلى روسيا: القطب الشمالي ليس مجالًا حصريًا لكم.
إلى الصين: طرق الحرير البحرية لن تمر دون إذن أمريكي.
لكن هذه الرسالة، المغلفة بلغة القوة، قد تنقلب إلى مغامرة غير محسوبة. فروسيا تعتبر القطب الشمالي جزءًا من أمنها القومي، والصين تنظر إليه كامتداد استراتيجي لطريق الحرير القطبي. أي خلل في الحسابات قد يدفع “الحرب الناعمة” إلى حافة مواجهة مفتوحة.
لماذا تدخّل الكونغرس؟
تجربة ترمب في فنزويلا، وإيران، والانسحاب الأحادي من الاتفاقيات الدولية، أظهرت أن النزعة الشخصية قد تجرّ الولايات المتحدة نفسها إلى عزلة استراتيجية. لذلك جاء تحرك الكونغرس لتقييد قراراته، ليس دفاعًا عن خصوم واشنطن، بل دفاعًا عن الدولة الأمريكية من اندفاع غير عقلاني قد يشعل العالم.
لا بد من التأكيد ، إن غرينلاند ليست الهدف النهائي، بل الاختبار الأول:
إما أن ينجح منطق القوة العارية في فرض نفسه، معلنًا نهاية النظام الدولي،
وإما أن تنتصر المؤسسات والقانون، ويُكبح جماح البلطجة السياسية قبل أن تتحول إلى صدام عالمي.
في زمن الترامبية، لم يعد السؤال: من يملك القوة؟
بل: من يملك الحكمة قبل أن تحترق الجغرافيا؟فى

الاحد 11 كانون ثاني 2026

✍️: يوسف أبو سامر موسى
باحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى