بأقلامنا

الضفة الغربية بين تصاعد العدوان ومشاريع الضمّ الصامت. بقلم يوسف ابو سامر

 

لم تعد الضفة الغربية تعيش تحت الاحتلال فحسب، بل باتت تخضع لواحد من أكثر مشاريع الاستعمار الاستيطاني وقاحة في العصر الحديث. ما يجري اليوم ليس انفلاتاً أمنياً ولا صدامات عابرة، بل حرب مفتوحة على الأرض والإنسان والهوية، تُدار بقرار سياسي واضح، وتُنفَّذ بأدوات متعددة: جيشٌ مدجج بالسلاح، ومستعمرون متطرفون يمارسون الإرهاب علناً، وسلطة دولية تراقب بصمت مريب. في الضفة الغربية يُقتل الفلسطيني مرتين: مرة برصاص الاحتلال، ومرة حين تُسرق أرضه تحت غطاء القانون والقوة، فيما يُراد له أن يختفي بهدوء عن خريطة الوطن والتاريخ.

أولاً: تصاعد العدوان وتطبيع العنف
لم تعد الاعتداءات اليومية في الضفة الغربية أحداثاً معزولة أو ردود فعل أمنية كما يروّج الاحتلال، بل باتت سياسة ثابتة تقوم على الاقتحامات المتكررة للمدن والمخيمات، والاغتيالات الميدانية، وعمليات الاعتقال الجماعي، وتدمير البنية التحتية، وفرض العقاب الجماعي. هذه الممارسات تهدف إلى إبقاء المجتمع الفلسطيني في حالة إنهاك دائم، وتحويل الحياة اليومية إلى معركة بقاء.
ثانياً: الاستيطان وسرقة الأرض كجوهر الصراع
يشكل الاستيطان العمود الفقري للمشروع الصهيوني في الضفة الغربية. فمصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وإنشاء البؤر الاستيطانية العشوائية، ليست سوى أدوات لفرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة. ويجري ذلك عبر تصنيف الأراضي كمناطق عسكرية أو محميات طبيعية، ومنع الفلسطينيين من البناء أو الزراعة، مقابل فتح المجال أمام المستوطنين للاستيلاء على الأرض بقوة السلاح والقانون الإسرائيلي معاً.
الهدف الواضح من هذه السياسة هو تفتيت الجغرافيا الفلسطينية، وعزل المدن والقرى عن بعضها البعض، وتحويل الضفة الغربية إلى جزر سكانية محاصرة، بما يجعل أي كيان فلسطيني مستقبلي فاقداً لمقومات الاستمرار.
ثالثاً: تطرف المستوطنين تحت مظلة الجيش
يشكل المستوطنون المتطرفون رأس الحربة في تنفيذ مشروع التوسع، حيث يمارسون الإرهاب المنظم ضد الفلسطينيين من حرق للمنازل، واقتلاع للأشجار، واعتداءات جسدية، في ظل حماية مباشرة أو غير مباشرة من جيش الاحتلال. في كثير من الحالات، يتحول الجيش من قوة “ضبط” إلى شريك فعلي، إما بالتدخل لصالح المستوطنين أو بمنع الفلسطينيين من الدفاع عن أنفسهم.
هذا التواطؤ يعكس حقيقة أن عنف المستوطنين ليس ظاهرة هامشية، بل جزء من سياسة دولة تهدف إلى تهجير الفلسطينيين تدريجياً من مناطق استراتيجية، لا سيما الأغوار وشمال الضفة ومحيط القدس.
رابعاً: المشاريع الصهيونية والأهداف المستقبلية
يعمل الكيان الصهيوني على تنفيذ مشاريع بعيدة المدى، أبرزها:
الضمّ الزاحف للضفة الغربية دون إعلان رسمي، عبر فرض السيادة الفعلية.
عزل القدس الشرقية بالكامل عن محيطها الفلسطيني.
القضاء على حل الدولتين وتحويله إلى خيار غير قابل للتطبيق.
تغيير التركيبة الديموغرافية عبر التهجير القسري والضغوط الاقتصادية والأمنية.
هذه المشاريع تحظى بدعم سياسي من قوى اليمين المتطرف داخل الحكومة الإسرائيلية، وبصمت دولي مريب، يكتفي بالإدانة اللفظية دون اتخاذ إجراءات رادعة.
خامساً: عجز السلطة الفلسطينية
في ظل هذا التصعيد، تبدو السلطة الفلسطينية عاجزة عن القيام بدور حقيقي في حماية المواطنين أو وقف التوسع الاستيطاني، نتيجة القيود المفروضة عليها، وتآكل شرعيتها، وارتهان دورها للمعادلة الأمنية والاقتصادية التي فرضها الاحتلال. هذا العجز يفاقم حالة الإحباط الشعبي، ويعمّق الفجوة بين الشارع الفلسطيني والمؤسسات الرسمية.
بالمحصلة: ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد تصعيد أمني عابر، بل هو مرحلة متقدمة من مشروع استعماري إحلالي يسعى إلى حسم الصراع من طرف واحد، عبر القوة وفرض الأمر الواقع. وأمام هذا المشهد، يبقى الرهان على صمود الشعب الفلسطيني، ووحدة قواه، وتفعيل أدوات المواجهة السياسية والقانونية والشعبية، في مواجهة احتلال لا يفهم إلا منطق القوة والمحاسبة.
✍️ يوسف أبو سامر باحث سياسي حائز على دبلوم في العلوم السياسية والتحليل السياسي.

كانون ثاني 8/1/2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى