بأقلامنا

لقاء ترمب – نتنياهو: لبنان تحت الضغط، غزة تحت النار، والنظام الدولي على حافة الانهيار. بقلم: يوسف أبو سامر موسى

باحث سياسي – حائز على دبلوم في العلوم السياسية والتحليل السياسي

مقدمة
يأتي لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها ملفات الحرب والتهدئة، والضغوط السياسية والعسكرية، وتُعاد فيها صياغة قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط. لم يكن هذا اللقاء بروتوكوليًا أو عابرًا، بل حمل في طياته رسائل واضحة، أبرزها منح الاحتلال الإسرائيلي هامش حركة أوسع للضغط على لبنان، والتلويح بخيارات تصعيدية، في مقابل استمرار الجرائم الصهيونية في قطاع غزة، رغم الحديث عن وقف لإطلاق النار وتبادل للأسرى.
أولًا: لقاء ترمب ونتنياهو… إعادة تثبيت الشراكة الهجومية
يؤكد اللقاء بين ترمب ونتنياهو على عمق التحالف الأميركي–الصهيوني، ليس بوصفه تحالفًا دفاعيًا، بل كمنظومة هجومية تعمل على إدارة الصراعات لا حلّها. فترمب، المعروف بسياساته القائمة على القوة والابتزاز، يلتقي بنتنياهو في نقطة مشتركة: فرض الوقائع بالقوة، وتجاوز الأعراف الدولية متى اقتضت المصلحة.
في هذا السياق، يمكن قراءة اللقاء على أنه تفويض سياسي للاحتلال بالتصعيد المنضبط، سواء في غزة أو على الجبهة اللبنانية، مع ترك هامش إنكار سياسي للإدارة الأميركية، في حال انفلات الأمور نحو مواجهة أوسع.
ثانيًا: لبنان وسلاح حزب الله… التهديد كأداة ضغط
تصريح نتنياهو حول “انتهاء المهلة المحددة لتسليم سلاح حزب الله” لا يمكن فصله عن سياق الحرب النفسية والضغط السياسي على لبنان. فالمسألة هنا لا تتعلق بسلاح فصيل بعينه، بل بمحاولة فرض معادلة جديدة عنوانها:
إخضاع لبنان سياسيًا وأمنيًا مقابل تجنيبه الحرب.
هذا الخطاب يشكل انتهاكًا مباشرًا للسيادة اللبنانية، ويكشف أن الحديث عن نزع السلاح ليس سوى مدخل لضرب معادلة الردع التي كرّسها حزب الله في مواجهة الاحتلال. كما أن أي رهان على تفكيك هذه المعادلة عبر الضغط الخارجي، يتجاهل طبيعة التوازنات الداخلية والإقليمية، ويضع لبنان أمام مخاطر تفجير داخلي أو عدوان خارجي.
ثالثًا: غزة… إبادة مستمرة تحت غطاء التهدئة
رغم الإعلان عن وقف لإطلاق النار وتبادل للأسرى، لا تزال غزة تعيش فصول جريمة مكتملة الأركان. فالاحتلال يواصل خروقاته، ويُبقي قبضته العسكرية والاقتصادية على القطاع، فيما تتواصل عمليات القتل والاستهداف تحت ذرائع أمنية واهية.
إن ما يجري في غزة ليس “خرقًا تقنيًا” للاتفاق، بل سياسة ممنهجة تقوم على:
استنزاف المقاومة،
كسر إرادة الشعب الفلسطيني،
وفرض واقع إنساني كارثي يدفع نحو التهجير أو الانفجار الداخلي.
وهذا يؤكد أن الاحتلال لا يرى في التهدئة سوى استراحة محارب، لا التزامًا أخلاقيًا أو قانونيًا.
رابعًا: فنزويلا… رسائل بعيدة المدى نحو إيران
في موازاة التصعيد في الشرق الأوسط، تعود فنزويلا إلى واجهة الاستهداف الأميركي، سواء عبر العقوبات أو محاولات العزل السياسي أو حتى القرصنة السياسية. هذا السلوك لا يمكن عزله عن الصراع العالمي الأوسع، حيث تسعى واشنطن إلى تطويق حلفاء خصومها، وفي مقدمتهم إيران.
فالضغط على فنزويلا يشكل:
رسالة ردع لمحور الدول الرافضة للهيمنة الأميركية،
وتجربة أدوات ضغط يمكن توسيعها لاحقًا ضد طهران،
ومحاولة لإعادة ضبط ميزان النفوذ في أميركا اللاتينية تمهيدًا لمواجهات أكبر.
خامسًا: القرصنة الأميركية وانهيار النظام الدولي
اختطاف أو استهداف رئيس دولة منتخب، أو التدخل الفج في شؤون الدول، يعكس مستوى غير مسبوق من الاستهتار الأميركي بالقانون الدولي. الأخطر من الفعل نفسه، هو الصمت الدولي أو الاكتفاء بإدانات شكلية، ما يكرّس منطق شريعة الغاب في العلاقات الدولية.
نحن أمام مشهد يتآكل فيه النظام الدولي، وتفقد فيه المؤسسات الأممية قدرتها على المحاسبة، لتتحول القوانين إلى أدوات انتقائية تُستخدم ضد الضعفاء، وتُعلّق عند الأقوياء.
خاتماً
إن لقاء ترمب ونتنياهو ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة إعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي بالقوة. لبنان تحت التهديد، وغزة تحت الإبادة، وفنزويلا تحت القرصنة، وإيران في دائرة الاستهداف… فيما يقف العالم أمام اختبار تاريخي لقدرته على الدفاع عن القانون الدولي أو إعلان وفاته عمليًا.
في هذا المشهد المعقّد، تبدو المقاومة – بأشكالها السياسية والشعبية والعسكرية – أحد آخر عناوين الرد على منطق الهيمنة، في زمنٍ بات فيه الصمت الدولي شريكًا في الجريمة.
✍️ يوسف أبو سامر موسى
باحث سياسي – دبلوم في العلوم السياسية والتحليل السياسي.

الثلاثاء كانون ثاني 6/1/2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى