في حديث الشعر (27) بقلم الشاعر هنري زغيب
في حديث الشعر (27)

هنري زغيب*
طالَما تَعَنْوَنَتْ هذه السلسلة بــ”حديث الشعر”، يقتضي اكتمالُها بالبحث في معظم أَصناف الشعر ومناسباته. ومنها اليوم: شعر المناسبات. له في الشعر العربي مساحات واسعة من القصائد، ومسافات واسعة في الزمان، تمتدُّ من أَقصى الجاهلية (مدحًا أَو فخرًا أَو هجاءً أَو رثاءً)، وما كان من حوادثَ فيها أَرَّخها الشعر بتفاصيلها وأَبطالها ونتائجها، بلُوغًا إِلى العصور التالية، وصولًا إِلى عصرنا اليوم، ولا يزال فيه شعر المناسبات رائجًا، وشعراءُ المناسبات يملأُون المنابر ويُلقُون شعرًا معظمُه من نظم المديح، وقليلُه يَبلغ قلْب الشعر الذي يتجاوز المناسبة إِلى نسْج رائعة شعرية تبقى على الزمن.
في هذه الحلقة محاولة البحث عن الشعر في نصوص المناسبات.

الإِطار العام
هل قدَرُ القصيدة المنبرية أَن تنطوي مع انتهاء إِلقائها على المنبر؟
وهل كلُّ مناسبةٍ منبرية يذْوي حضورُها مع انصراف الحضور من القاعة أَو الاحتفال موضوع المناسبة؟
هذا الكلام يصحُّ في موضعين:
- حين المناسبةُ عاديةٌ عابرة، لا سنَدَ لها كافيًا يجعلُها تَظلُّ في البال، أَو في المحفوظات. والمناسبة العادية (عائلية، شخصية، إِخوانية، محلية، …) لا تستحقُّ التبسُّط بها. وحدَها عاديَّتُها كافيةٌ لتُلْغيها من النقاش، وتُسْقِطَ معها القصيدة الملقاة. وحتى لو نشرها شاعرُها لاحقًا، تبقى لا تعني إِلَّا صاحبَها وقلَّةً معه حضروها، أَو يعرفون ذوي الصلة بالمناسبة. إِنها قصيدةٌ ضيِّقةُ الأُفق لا تستحقُّ البحث.
- حين القصيدة المُلقاة في المناسبة نَظْمٌ مسَطَّحٌ، لا قيمةَ شعريةً لها تَجعلُها باقيةً في البال، أَو مستحقَّةً أَن تنتظر في محفوظات الشاعر تمهيدًا لنشرها لاحقًا في كتاب. إِنها قصيدةٌ دون المستوى الشعريّ، لا شعرَ فيها بل نظمٌ بارد، ولا تستحقُّ هي الأُخرى التبسُّط بها. وحدَها نظْميَّتُها التي لم تبْلُغ الشِعر، تُلْغيها من التداول والذاكرة والمحفوظات. ونَشْرُها في مجموعةٍ لصاحبها يَدينُه أَكثر مما ينفعه.
أَيةُ قصيدةٍ منبريةٍ جديرةٌ إِذًا؟ وأَية مناسبة؟
في ديْمومةِ النصّ
لا نعمةَ أَجمل من نسْرٍ يُولَدُ في أَرض التقليد، ومنها ينطلق إِلى فضاء التجديد نابعًا من أَصالة الجذور، متأَلّقًا كلَّما دار الحديث عن الأَدب العالي، وساحِرَ نَحْتٍ يُطْلِع من الكلمات نَسَمًا يَلفح بالنضارة وجهَ الشعر وجبينَ النثر.

النصُّ هو الشاهد الحيّ. وحضورُ صاحبه الناصعُ، في عصره وبين أَترابه، خير نصاعةٍ لخير شهادة. فيا نعْم الشاهدُ، ويا نعْم الشهادة. والنص الباقي على الأَيام، بمناسبة وبغير مناسبة، هو ابنُ الحياة بِجديدها المتجدِّد في جِدّ الأَصالة، منحوتًا بإِزميل الأَصالة. بعدها، زائلٌ كلُّ نَصٍّ لا يتمَرَّى بِهذه الأَصالة.

كلُّ نصٍّ (شِعرًا أَو نثرًا، في مناسبةٍ أَو من دون مناسبة) طالعٍ من أَصداف اللؤْلؤ في بُحيرات الصفاء والنقاء، هو نصٌّ باقٍ إِلى الغد الطويل، لا زبدَ يُغْريه فيَجْرُفُه، ولا موجةَ تُغْريه فتحملُه إِلى التحطُّمِ معها (فالتَّفَتُّتِ فالانْحلالِ) على الشاطئ، بل يظلُّ لؤْلؤةً باقيةً في قلب الصَدَفَة، في قلب المياه، في قلب العُمق، إِذًا: في قلب الحياة.
وكلُّ نَصٍّ يُخالف قوانين الحياة، يَخرُج من نور الذاكرة، وينتهي منطفئًا في مَجاهل النسيان.
الحلقة المقبلة: أَيُّ شعرٍ مكتوبٍ للمناسبات، ويبقى شعرًا؟
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي).






