المخيمات الفلسطينية في لبنان تحت النار: رسائل الدم وحسابات المرحلة المقبلة بقلم يوسف أبو سامر موسى

في ظل التصعيد الصهيوني المتكرر على الساحة اللبنانية، عادت المخيمات الفلسطينية إلى واجهة الاستهداف، مع تكرار القصف الإسرائيلي لمخيم عين الحلوة، وما أسفر عنه من ارتقاء شهيدين من أبناء الشعب الفلسطيني، في مخيم يُعدّ الأكثر اكتظاظاً بالسكان ضمن مساحة جغرافية ضيقة، ما يجعل أي استهداف له جريمة مضاعفة بحق المدنيين. وكان المخيم قد سبقه قصف مخيم الرشيدية في الأيام الأخيرة من الحرب، قبل إعلان وقف إطلاق النار مع لبنان بيوم ، في مؤشر واضح إلى أن الاحتلال لم يلتزم فعلياً بوقف العدوان.
أولاً: أبعاد القصف المتكرر… أمنية أم سياسية؟
القصف الإسرائيلي للمخيمات لا يمكن قراءته كحدث أمني معزول، بل يأتي ضمن سياق أوسع من إعادة رسم قواعد الاشتباك وتوسيع بنك الأهداف. فالمخيمات الفلسطينية، بما تمثّله من رمزية وطنية وتاريخية، ليست مجرد تجمعات سكنية، بل حواضن لقضية اللجوء وحق العودة، وهو ما يجعلها في نظر الاحتلال بيئة ينبغي إخضاعها أو ردعها.
الاستهداف المتكرر لمخيم عين الحلوة تحديداً يحمل أبعاداً عدة:
1- رسالة ردع مزدوجة: موجهة إلى الداخل الفلسطيني بأن المخيمات ليست خارج دائرة النار، وإلى الدولة اللبنانية بأن الاحتلال يحتفظ بحق توسيع دائرة عملياته متى شاء.
2- كسر البيئة الحاضنة: عبر إدخال المخيمات في معادلة الاستنزاف النفسي والأمني، بما يدفع إلى تفكيك البنية الاجتماعية تحت ضغط الخوف والنزوح.
3- فرض معادلة جديدة:
عنوانها أن أي انخراط فلسطيني في معادلة المواجهة الإقليمية سيُقابل باستهداف مباشر لمربعات اللجوء.
ثانياً: هل هي رسالة ممهورة بالدم؟
لا يمكن فصل توقيت بعض الضربات عن السياق السياسي والعسكري الأوسع. فقصف مخيم الرشيدية في الأيام الأخيرة من الحرب، رغم إعلان وقف إطلاق النار، يعكس سلوكاً إسرائيلياً يقوم على استخدام القوة كأداة تفاوض ورسالة سياسية. وكأن الاحتلال يقول إن المخيمات ليست مناطق محيّدة، بل أهداف محتملة في أي مواجهة مقبلة.
إنها رسالة ضغط واضحة: المخيمات ضمن بنك الأهداف كما القرى والبلدات اللبنانية الحدودية، في حال توسّع الاشتباك أو انخرطت أطراف فلسطينية في أي معادلة عسكرية. وهذه المعادلة الخطيرة تضع مئات آلاف اللاجئين في دائرة الخطر الدائم.
ثالثاً: هل نحن أمام مرحلة توسّع في الاستهداف؟
المؤشرات الميدانية توحي بأن الاحتلال يسعى إلى تثبيت مبدأ “توسيع مسرح العمليات” ليشمل كل ما يعتبره بيئة مقاومة أو حاضنة لها. وإذا كانت القرى اللبنانية الجنوبية قد دخلت فعلياً ضمن دائرة الاستهداف، فإن المخيمات الفلسطينية قد تكون في المرحلة المقبلة عرضة لضربات متفرقة أو مركّزة، تبعاً لتطورات الميدان.
لكن توسيع القصف ليشمل مخيمات أخرى يحمل مخاطر كبيرة:
* إشعال الساحة اللبنانية داخلياً.
– دفع آلاف العائلات إلى نزوح قسري.
– خلق أزمة إنسانية تفوق قدرة لبنان المنهك اقتصادياً على الاستيعاب.
رابعاً: مصير اللاجئين في حال النزوح
السؤال الأخطر لا يتعلق فقط بالقصف، بل بتداعياته الإنسانية. فالمخيمات الفلسطينية في لبنان تعاني أصلاً من:
1- اكتظاظ سكاني حاد.
2- هشاشة في البنية التحتية.
3- ارتفاع نسب الفقر والبطالة.
4- تراجع خدمات الأونروا نتيجة أزماتها المالية المتكررة.
وفي ظل الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة في لبنان، وعجز الدولة عن احتضان اللبنانيين أنفسهم بشكل كامل، فإن أي موجة نزوح فلسطيني داخل الأراضي اللبنانية ستفتح باباً لأزمة مركّبة: أين سيذهب أبناء المخيمات؟ من سيتكفل بإيوائهم؟ وهل ثمة خطة طوارئ فلسطينية – لبنانية – أممية لمواجهة هذا السيناريو؟
خامساً: بين الضغط والتهجير… هل يُعاد إنتاج مشروع التوطين؟
لا يمكن تجاهل البعد الاستراتيجي الأخطر، وهو احتمال أن يكون الضغط الأمني والمعيشي المتصاعد جزءاً من سياسة دفع اللاجئين نحو خيارات قسرية، سواء بالهجرة غير الشرعية أو القبول بأشكال من إعادة التوطين خارج فلسطين. فإضعاف المخيمات وتفكيك بنيتها المجتمعية قد يُستخدم كمدخل لتصفية رمزية قضية اللجوء، التي تشكل جوهر الصراع.
اخيراً: إن القصف الإسرائيلي المتكرر لمخيم عين الحلوة، بعد استهداف مخيم الرشيدية، ليس حدثاً عابراً، بل مؤشر إلى مرحلة حساسة قد تُدرج المخيمات الفلسطينية ضمن معادلات الردع المتبادل في المنطقة. وبين الرسائل العسكرية والحسابات السياسية، يبقى اللاجئ الفلسطيني الحلقة الأضعف، محاصراً بين نار الاحتلال وأزمة اللجوء الممتدة منذ عقود.
المطلوب اليوم مقاربة فلسطينية موحّدة تحصّن المخيمات سياسياً وأمنياً، وتفعيل شبكة أمان إنسانية عاجلة بالتنسيق مع الدولة اللبنانية والجهات الدولية، لأن أي انفجار واسع في المخيمات لن يكون شأناً فلسطينياً فحسب، بل زلزالاً اجتماعياً وأمنياً يطال لبنان والمنطقة بأسرها.
✍️ يوسف أبو سامر موسى باحث سياسي/فلسطين
السبت 21 شباط 2026






