أخبار لبنان

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك،

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين ومما جاء في خطبته السياسية:
عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بالتّقوى الّتي نحن مدعوون إليها لكونها وصيّة الله وهي الهدف الّذي يراد لنا أن نبلغه في هذا الشّهر لنحقّق معناه ونحظى ببركاته وخيراته…
والّتي أشار الإمام الباقر (ع) إلى ما تدعو إليه عندما قال: “إنّ أهل التّقوى أيسر أهل الدّنيا مؤونة (أي من يلتزم التّقوى ظلّه خفيف على النّاس قليل المطالب قنوعًا يعتمد على نفسه ولا يرهق من حوله)، وأكثرهم لك معونة، تذكر فيعينونك، وإن نسيت ذكّروك (أي إذا نسيت واجبًا أو طاعة أو ذكر لله)، قوّالون بأمر الله، قوّامون على أمر الله، قطعوا محبّتهم بمحبّة ربّهم، ووحشوا الدّنيا لطاعة مليكهم، ونظروا إلى الله عزّ وجلّ وإلى محبّته بقلوبهم، وعلموا أنّ ذلك هو المنظور إليه، لعظيم شأنه”.
أيّها الأحبّة… إنّنا أحوج ما نكون إلى تعزيز هذه القيمة والّتي بيَّن سبحانه وتعالى نتائجها العظيمة عندما قال: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} وعندما قال: {وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} وبها يصل إلى المقام الكريم عند الله: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} وبذلك نكون أقدر على مواجهة التّحدّيات.
البداية من الاعتداءات الإسرائيليّة الّتي لا تزال تستهدف هذا البلد في الاغتيالات لمواطنيه أو في الغارات الّتي تطال العديد من المواقع في الجنوب والبقاع فيما يستمرّ العدوّ في ممارساته العدوانيّة في قرى الشّريط الحدوديّ وفي عمليّات القصف والتّفجير للمنازل السّكنيّة المتبقية أو في إلقاء القنابل الصّوتيّة على البيوت في إطار خطّته الّتي تهدف إلى إفراغها من أهلها وإيجاد منطقة أمنيّة عازلة. فيما يعلن وزير حربه وبالفم الملآن عن استمرار بقائه في التّلال الإستراتيجيّة الخمسة وعدم الانسحاب منها، ما لم يقم لبنان بالتّسليم للشّروط الّتي يريدها منه…
إنّنا أمام كلّ ما جرى وما قد يجري نعيد دعوة الدّولة اللّبنانيّة إلى تحمّل مسؤوليّتها في السّيادة على أرضها تجاه مواطنيها وهذا لا يدعوها إلى تقديم التّنازلات بقدر ما يدعوها إلى اتّخاذ كلّ الإجراءات الكفيلة بإيقاف نزيف الدّم والدّمار ورفع كاهل الاحتلال عن أرض هذا الوطن الّذي نخشى أن يصبح أمرًا واقعًا وأن ترى ذلك أولى أولويّاتها…
إنّ من المؤسف أن لا نشهد الجدّيّة المطلوبة على هذا الصّعيد، حيث لا تزال الدّولة ترى أنّ حصريّة السّلاح هي الطّريق لإيقاف الاعتداءات ورفع كاهل الاحتلال، فيما كلّ الوقائع تؤكّد أنّ ما يريده هذا العدوّ هو أبعد من ذلك ولذا نشهد استمرار اعتداءاته رغم قيام الدّولة بحصر السّلاح في جنوب اللّيطانيّ والبدء بالإعداد لحصره في شماله.
ونصل إلى القرارات الأخيرة الّتي صدرت عن مجلس الوزراء الّتي فاجأت كلّ اللّبنانيّين الّذين لم يتصوّروا أن تقدم الحكومة على ذلك وهي الّتي شعارها الإنقاذ والإصلاح في الوقت الّذي تعرف مدى معاناة أكثر اللّبنانيّين على الصّعيد المعيشيّ والحياتيّ وعدم قدرتهم على تأمين أبسط مقوّمات حياتهم، فهم غير قادرين على تحمّل أيّ زيادة بل هم يئنّون بالزّيادات الّتي فرضت عليهم في الموازنة الأخيرة وهي بذلك كرّرت الأخطاء الّتي ارتكبتها حكومات سابقًا حين كانت تمدّ يدها إلى جيوب الفقراء كلّما احتاجت إلى المال.
إنّ للقطاع العام والمعلّمين في المدارس الرّسميّة والمتقاعدين في الجيش اللّبنانيّ الحقّ أن يعطوا ما يستحقّون لجعل حياتهم كريمة وهو ما كنّا نطالب به ولا نزال، لكن كان يمكن للدّولة أن تمنح النّاس حقوقها دون أن تُحمّل أغلبية اللّبنانيّين أعباء معيشيّة إضافيّة تمسّ حاجاتهم الأساسيّة، فضلًا عن أنّ القرارات لم تؤدِّ إلى معالجة المشكلة، فهي أعطت بيد لتأخذه منهم باليد الأخرى، بعدما أدّى ذلك ويؤدّي إلى تضخّم في أسعار كلّ السّلع أضعافًا مضاعفة… هذا إلى جانب ما تؤدّي إليه زيادة القيمة المضافة إن تمّ إقرارها من المجلس النّيابيّ…
إنّنا أمام ما جرى نعيد دعوة الحكومة اللّبنانيّة حرصًا عليها وسعيًا لاستعادة ثقة اللّبنانيّين بها إلى إعادة النّظر في قرارها ودراسة البدائل الكفيلة بتأمين موارد للخزينة من غير الفقراء… ولعلّ من اللّافت أن لا نجد من هم في الحكومة من يؤيّد هذا القرار بل الكل يتنصّل منه ما يبعث على التّساؤل هل صدر من الحكومة أم لا…
ونصل إلى المفاوضات الّتي تجري بين الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران والإدارة الأميركيّة، فإنّنا في الوقت الّذي نأمل أن تستمرّ المفاوضات بما يضمن سيادة الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران وحقّها في الدّفاع عن نفسها وامتلاك القدرات الّتي تضمن مصالحها الحيويّة تجاه وطنها، ما زلنا نخشى من أنّ حشد الأساطيل وما أدّى إليه من توتّر وسعي الكيان الصّهيونيّ المستمرّ لإفشالها سيكون سببًا في حرب لن تقف تداعياتها عند حدود إيران بل قد تتعدّى ذلك إلى المنطقة كلّها.
ونصل إلى فلسطين المحتلّة، حيث يتعرّض الشّعب الفلسطينيّ في هذه الأيّام لأخطر عمليّة اقتلاع له من أرضه، سواء في قرارات حكومة العدوّ الجديدة والّتي تتيح للعدوّ الصّهيونيّ توسيع سيطرته على الضّفّة الغربيّة لتهجير الفلسطينيّين تمهيدًا لإنهاء أي صيغة لدولة فلسطينيّة ولو بالحدود الّتي هي عليها، والّتي تأتي استكمالًا لما يجري في غزّة من تواصل الاغتيالات والقتل والحصار ما يدعو الدّول العربيّة والإسلاميّة إلى تحمّل المسؤوليّة تجاهه، أمّا على صعيد مؤتمر مجلس السّلام الّذي انعقد أخيرًا فهو رغم أنّه لا يحرّك ساكنًا أمام ما يحدث في قطاع غزّة من مآسي فإنّنا نرى الإيجابيّة في التّقديمات الّتي قدّمت من العديد من الدّول لإعمار غزّة والّذي بالطّبع لن تكون كافيةً لإعمارها ولكنّنا نخشى أن يكون ذلك بمثابة رشوة لفسح المجال لتنفيذ الخطوات الّتي يراد القيام بها والّتي تجعل القطاع تحت الوصاية الدّوليّة بدلًا من أن يكون تحت إدارة الشّعب الفلسطينيّ وحقّه بالسّيادة على أرضه وقراره الحرّ عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى