ندوة في “النادي الثقافي العربي” في الذكرى الـ 21 لاستشهاد الحريري السنيورة: على العهد باقون نحمل راية لبنان الحرية والعيش المشترك
وطنية – نظّم “النادي الثقافي العربي” ندوة فكرية بعنوان “لبنان والمنطقة العربية الى أين؟”، لمناسبة ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، في مقر النادي – الحمرا، حاضر فيها الرئيس فؤاد السنيورة، النائب السابق الدكتور فارس سعيد، الدكتور حارث سليمان، رئيس تحرير جريدة “اللواء” صلاح سلام، قدمت لها الدكتورة لينا التنير، وحضرها الوزراء السابقون الدكاترة ابراهيم شمس الدين وخالد قباني وحسن منيمنة، النائبان السابقان احمد فتفت وأمين وهبه، القاضي زياد شبيب، الدكتور محمد السماك وفاعليات فكرية واكاديمية وثقافية.
التنير
بعد النشيد الوطني قالت التنير:”نلتقي اليوم في ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، لا لإحياء ذكرى أليمة فحسب، بل لمواجهة سؤال تاريخي وملحّ في آنٍ معاً: ماذا كان سيفعل رفيق الحريري في مواجهة الواقع الذي يحيط بلبنان اليوم؟ حين اغتيل رفيق الحريري، لم يُستهدف شخصٌ فحسب، بل استُهدفت فكرة لبنان التي كان يجسّدها —لبنان الدولة، لبنان الانفتاح، لبنان الاقتصاد المنتج، لبنان القادر على جمع تناقضاته ضمن مشروع وطني واحد. كان الحريري، سواء اتفقنا معه أم اختلفنا، نقطة ارتكاز وطنية، مركز ثقل تدور حوله توازنات الداخل وعلاقات الخارج. ومع غيابه، اختلّ ذلك التوازن. تراجع منطق الدولة الجامعة، وتقدّم منطق المحاور. ومن خلال الفراغ الذي نشأ، تمدّد نفوذ الخارج بشكل أعمق وأكثر مباشرة – أولاً عبر عودة التأثير السوري بأشكال مختلفة، ولاحقاً عبر تصاعد الحضور الإيراني في المعادلة اللبنانية، ومع ضعف المركز الداخلي، بات القرار الوطني أكثر عرضة للتجاذب، وتحوّل لبنان تدريجياً من مساحة توازن إلى ساحة صراع نفوذ”.
تابعت:”لم يكن الرئيس رفيق الحريري ساذجاً في قراءته للمنطقة، ولا حالماً في مقاربته للسياسة. كان يدرك أن لبنان لا يستطيع عزل نفسه عن التيارات الجيوسياسية، لكنه لم يكن يرى أنه محكوم بالانجراف معها. مقاربته قامت على ثلاث قناعات واضحة: أن القوة الاقتصادية شكل من أشكال السيادة؛ وأن الإصلاح ليس تنازلاً بل ضرورة؛ وأن القيادة تعني اتخاذ القرار في الوقت المناسب، لا بعد أن ينفد الوقت. يقف لبنان اليوم في قلب تحوّلات إقليمية عميقة. موازين القوى تتبدّل، والافتراضات القديمة تتراجع، والتسامح مع هشاشة الدول يتقلّص. وفي الداخل، نحمل عبء فرص إصلاح ضائعة مالية ومؤسساتية وسياسية – ضيّقت هوامشنا وزادت من درجة انكشافهم”.
اضافت:”لو كان رفيق الحريري شاهداً على تراجع الانضباط المالي، وشلل الإصلاح، وتفكك المرجعيات، وتقلّص المساحة الاستراتيجية للبنان ماذا كان سيضع في الأولوية؟ هل كان سيبدأ باستعادة صدقية الدولة؟ أم بإعادة بناء الثقة مع العمق العربي؟ أم بالمواجهة الصريحة مع الإصلاحات البنيوية مهما كانت كلفتها السياسية؟أم بإعادة تعريف موقع لبنان في منطقة لم تعد تحتمل الغموض؟يشاركنا هذا النقاش شخصيات عايشت محطات مختلفة من أزمات لبنان في الحكم، وفي العمل المدني، وفي الصحافة وفي الفكر السياسي”.
ختمت:”ندوتنا ليس تمريناً في الافتراض، بل مرآة لمسؤوليتنا الراهنة. لأن سؤال: ماذا كان سيفعل رفيق الحريري؟ يقودنا إلى سؤال أصعب:ماذا نحن مستعدون أن نفعل اليوم؟ إذا كان رفيق الحريري يؤمن بأن لبنان لا يستطيع الهروب من منطق المنطقة، لكنه يستطيع التفاوض على موقعه فيها، فإن الامتحان اليوم هو: هل لا نزال نملك إرادة التفاوض داخلياً وخارجياً قبل أن تضيع فرص أخرى؟”.
السنيورة
ثم تحدث الرئيس السنيورة وقال:”دَرَجَ النادي الثقافي العربي منذ سنوات على الإسهام في تخليد ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بإقامة ندوة تواكب ذكرى هذا الرجل الكبير الذي حفر اسمه عميقاً في ضمائر ووجدان اللبنانيين والعرب، وبكونه كان الأكبر ممن حملوا لواء استعادة نهوض الدولة اللبنانية، بدءاً من خلال مشاركته الفاعلة في الإعداد، ومن ثمَّ في التوصل إلى إقرار اتفاق الطائف، وبعد ذلك في العمل المثابر على إعادة إعمار لبنان وإنسانه. وهو الذي نعتز بأنّه كان أحد الناشطين الأساسيين في هذا النادي الوطني والعربي العريق الذي حمل لواء نهوض دور بيروت، ودور لبنان الثقافي والفكري والأدبي منذ أكثر من ثمانية عقود. رفيق الحريري الذي تولى مسؤولية رئاسة الحكومة اللبنانية في العام 1992 حمل معه وناضل وضحى في حكوماته الخمس من أجل تنفيذ رؤيته ومشروعه الكبير لإنقاذ لبنان على مختلف المستويات الوطنية والسياسية والإعمارية والاقتصادية والإدارية والثقافية”.
تابع:”رفيق الحريري، وعلى الرغم من كل العراقيل والعقبات التي واجهته في مسيرته النهضوية للبنان من تراكم عبء ثقيل تسببت به حرب أهلية مريرة، واجتياحات واحتلالات إسرائيلية متكررة، ومن تسلّط لقوى داخلية وإقليمية على الدولة اللبنانية، وهيمنة متزايدة من قبل قوى الأمر الواقع، فقد استطاع هذا الرجل برؤيويته وبديناميته وإصراره ومثابرته أن يُحْدِثَ قفزة نوعية في لبنان على أكثر من صعيد وطني وسياسي وعمراني، ومن أجل أن يستعيد لبنان حريته وسيادته واستقلاله. وحيث استطاع رفيق الحريري أن يُعيد بناء الكثير مما تهدّم، وأن ينطلق نحو إعادة بناء الكثير من البنى التحية والفوقية والخدماتية الأساسية لتحقيق النهوض الوطني والنمو الاقتصادي. ذلك مع حرصه على تعزيز التزام لبنان بالشراكة العربية ونظام المصلحة العربية المشتركة، وذلك بالتعاون مع الأشقاء العرب، ولاسيما مع المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، ومع دول الخليج العربي. إلا أنَّ الهيمنة المتعاظمة التي مارسها النظام الأسدي السوري، وكذلك النظام الإيراني، وأذرعته الإقليمية، على الدولة اللبنانية، كما وبسبب الظروف الإقليمية والدولية غير المؤاتية، والتي بمجموعها ما لبثت أن تداعت وتألبت على مشروعه الوطني، وأدّت إلى ارتكاب جريمة اغتياله بهدف تخريب وتعطيل مشروعه الإنمائي النهضوي الوطني، ونجحت في إزاحته جسدياً من المشهد السياسي المحلي والإقليمي، وإنْ لم تنجح في إزاحته من قلوب وضمائر محبيه ومقدريه أينما كانوا، حيث يزداد حضورُهُ في غيابه”.
اضاف:”جريمة الاغتيال النكراء استولدت إرادة قوية لدى الشعب اللبناني من أجل التصدي لتلك القوى الظلامية، وهي الإرادة التي عملت بعد استشهاد الحريري على استنهاض قواها من أجل إعادة توحيد لبنان، والسعي إلى إقرار المحكمة الدولية لمنع الإفلات من العدالة، واستعادة نهوض لبنان العمراني والاقتصادي والمعرفي. لكن تلك القوى الظلامية، أكان ذلك بسبب مطامعها السلطوية أم بسبب تبعيتها الإقليمية، لم تتوقف عن محاولاتها في تعطيل الانطلاقة الجديدة للمشروع النهضوي اللبناني والعربي للحريري. وهي استمرّت وكأنها كانت تتساوق مع مخططات إسرائيل العدوانية التي انتهزت أول فرصة لاجتياح لبنان من جديد في العام 2006. ومع أنَّ لبنان نجح حينذاك في منع إسرائيل من الانتصار، ونجح في محاولة استعادة النهوض الاقتصادي والعمراني والثقافي، لكنه لم ينجح في أن يصار إلى الالتزام بتطبيق القرار الدولي 1701 على جانبي الحدود”.
وقال:”تلك القوى الظلامية لم توقف محاولاتها القبض على الدولة اللبنانية، وهي استمرّت في العمل على إدخال لبنان في أتون لا ينتهي من العراقيل والصدمات. ذلك مما حال دون استعادة دولة الحق والقانون والنظام في لبنان، وحال دون استكمال برنامج لبنان الإصلاحي، ما أدَّى عملياً إلى تعطل السلطة والقرار، وهو ما حال دون تحقيق انتقال سلس للسلطات الدستورية لثلاث مرات على التوالي، وحال دون تمكّن لبنان من الخروج من المآزق السياسية والاقتصادية والمالية، الداخلية والإقليمية الكبرى، التي كانت تتجمع من حوله. كما حال دون تمكن لبنان من الاستفادة من دروس التحولات الكبرى التي كانت تجري في المنطقة العربية والعالم، وهو مما دفع لبنان ليكون في وضع هش وغير قادر على مقاومة الصدمات السياسية والاقتصادية والمالية العنيفة والمتلاحقة، وبالتالي غير قادر على التصدي لمخططات إسرائيل العدوانية. هذا فضلاً عن أنه حدَّ من قدرة لبنان على استخلاص الدروس الكبرى من الأزمات العنيفة التي أصابت لبنان ومنطقة الشرق الأوسط، والتي كان آخرها توريط لبنان في عملية طوفان الأقصى. حيث عملت إسرائيل على انتهاز ذلك التورط من أجل تحقيق أهدافها في رسم خارطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط وفقاً لرؤيتها ولمصالحها ورغباتها. وهو ما تحاول إسرائيل القيام به عن طريق إحكام سيطرتها وقبضتها على دول المنطقة، وهي التي لا تريدها إلاَّ دولاً طائفية ومذهبية مقسَّمة ومفتتة. وهو ما تحاول إسرائيل أن تفعله وتنفذه في سوريا، وما تقوم به أيضاً من أجل تصفية القضية الفلسطينية برمتها، وفيما تقوم به وما يجري في لبنان والسودان، وفي الصومال، وفي اليمن وفي ليبيا وكذلك في العراق”.
اضاف:” إزاء هذه التحولات الكبرى التي باتت تعصف بالمنطقة العربية والشرق الأوسط برمته، وكذلك إزاء المتغيرات الكبرى التي باتت تتحكّم بالعالم أجمع بما يزيد من حدّة الاستقطاب العالمي، ويؤدي إلى تصدُّع قواعد القانون الدولي، ويفاقم حالة اللايقين الدولية وحالة عدم الاستقرار العالمية. هذا فضلاً عن نشوء قوى وتحالفات جديدة تعتمد مفهوم القوة والتهويل بها، لا بل واستعمالها عندما ترى ذلك يخدم مصالحها. وبناءً على ذلك، فإنّه وفي تقديري، فإنّه يترتَّبُ وعلى الصعيدين اللبناني والعربي، بذل كل جهد ممكن من أجل استخلاص مجموعة من الخلاصاتِ والدروس، بما يساعد على الخروج من حال الضياع والانهيار التي تتهدَّد لبنان، وتتهدَّد الكثير من دولنا ومجتمعاتنا العربية”.
تابع:”على الصعيد اللبناني: إنّي أميل إلى الاعتقاد وبقوة، أنّه وفي هذه الظروف البالغة الصعوبة على الصعد الوطنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإنَّ الركيزة الحقيقية لأي تقدّم أو نهوض في لبنان لا يمكن أن تكون إلا في الاستناد إلى مجموعة من المسلمات والمنطلقات وأولها مسلمة واحدة وأساسية، وهي حسم مسالة وحدانية وحصرية سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وإداراتها ومرافقها ومؤسساتها العامة. وبالتمسّك بتطبيق الدستور اللبناني، وفي استكمال تطبيق اتفاق الطائف، والعمل على اعتماد الإصلاح منهجاً لإصلاح الاقتصاد الوطني وماليته العامة. والعمل على ترشيق وتفعيل الإدارة والمؤسسات والأجهزة العامة للدولة اللبنانية، والحرص على اعتماد سياسة خارجية تقوم على الالتزام بالمصلحة العربية المشتركة استنادا إلى التحييد الإيجابي الذي طالما تمسك به لبنان قبل خضوعه لسيطرة النظام الأسدي والتغول الإيراني. كما وفي بناء علاقات قويمة مع الشقيقة سوريا تقوم على قاعدة الندية والاحترام المتبادل والتعاون بين البلدين، بما يحقق النهوض المشترك للبلدين. وقبل أن أختم حديثي عن لبنان، لا بدّ لي من أن أنوَه بأنّ جمهور رفيق الحريري الذي وقف في الذكرى الحادية والعشرين من يوم استشهاده السبت الماضي مع الرئيس سعد الحريري، وهو الذي أكد من جديد أنه لايزال يحظى بمحبة الناس وفي التفافه من حوله، وان هذه الجماهير لاتزال متمسكة بخط الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي لا خلاص للبنان إلا في العودة إلى تلك الركائز الأساسية التي وضعها واستشهد من أجلها”.
وقال:”على الصعيد العربي: أولاً، واجبُ حمايةِ الدولة الوطنية السيّدة المستقلَّة في منطقتنا العربية من نزعة التَّصغير التفتيتي. هذا مع الحرص على الحرية والتنوع في إطار الوحدة الوطنية، ما يعني نزولَ جميع المكوّنات عندَ شروط الدولة، بدلاً من محاولةِ إنزالِ الدولة عندَ شروط هذا الفريق أو ذاك. ثانياً، إعلاءُ حقِّ الدولة وواجبِها في حصريةِ السلاح بيدها، وإلغاءِ كلِّ سلاحٍ آخر مهما كان عنوانه أو كانت دعواه. ذلك أنَّ أيَّ سلاحٍ موازٍ لسلاح الدولة الشرعية، يشكِّل بالواقع والضرورة سلطةً موازية، غالباً ما يستقوي حاملوه على الدولة، ويدفع سائر المكوّنات إلى الاستقواء بخارجِ ما، كما بيَّنت كلُّ التجارب السابقة. ثالثاً، تعزيزُ الرّهان على خِيار الاعتدال العربي، والتأكيد على مبادرة السلام العربية، وعلى ضرورة إصلاح البيت الفلسطيني، والتأكيد أنّ الصراع العربي- الإسرائيلي والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وبعد كل الإخفاقات السابقة، لا بد وأني يعود ليأخذ بالاعتبار الوسائل غير العنفية التي يمكن أن تحقّق للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، ولاسيما في ضوء المتغيرات الدولية. ومن ذلك، في اعتراف العدد الأكبر من دول العالم، بأن تكون للفلسطينيين دولتهم المستقلة. رابعاً، من أجل إقدار المنطقة العربية على مواجهة طبيعة القوى والتحولات والتحالفات الدولية الجديدة وتداعياتها على المنطقة العربية ودولها وشعوبها، فإنَّ الحاجة تتعاظم لإيجاد عمل عربي تضامني، وهو ما يقتضي احتضان الأصول العربية الصَّلبةَ القائمةَ وتزكيَتها. وأعني بذلك تحديداً ما يمكن أن تقوم به المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية من عملٍ عربيّ كبير، وتحصين هذا الخيار بعملٍ تضامني جامع ومشترك في إطار جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، كما وتكاملي في إطار منظمةِ التعاونِ الإسلاميّ، بما يحقق السلام العادل والشامل والدائم في المنطقة العربية، كما ويسهم في تحقيق الأمن العربي المشترك من مختلف جوانبه. خامساً، أنْ نأخُذَ بقوة عِبْرَةً من تجاربنا وتجاربِ الشعوب من حولنا، مَفَادُها أنَّ المواطنَ الحرَّ وحدَهُ هو الضمانة، في دولةٍ مدنية توفِّرُ الضمانةَ للجماعات والحقوقَ للمواطنين الأفراد. وعليه ينبغي اعتبارُ حقوقِ الإنسان قيمةً عليا، واعتمادُ الديمقراطية نظاماً سياسياً، والتداول السلميّ للسلطة دستوراً، والتنمية الشاملة والمتوازنة سبيلاً إلى تحقيق العدالة وتعزيز المواطنة، وطريقاً إلى الثروةِ والقوّةِ الفعليتين. ذلك كلُّه إلى اعتبار الإصلاح مقاربة شاملة ومهمةً دائمةً. والإصلاحُ هنا يتضمَّن: الإصلاحَ السياسيَّ، والمؤسساتيَّ الإداريّ، والاقتصاديَّ والماليّ، والتعليميَّ والتربويّ، بما في ذلك من إصلاحِ للخطاب الدينيّ وللمؤسسات الدينية، مَنْعاً للتشدُّد وللتطرّفِ والعنف، وتربيةً على الوسطية والاعتدال، وطَلَباً للسكينةِ الأهليّة والنفسية في المجتمع”.
ختم:” أعتقد جازما، لو أنَّ رفيق الحريري بيننا اليوم، لكان فكر في اغتنام فرصة سقوط نظام أل الأسد وانزياح الكثير من المعترضات في لبنان، وذلك في إعادة إطلاق كل ورش الإصلاح من أجل إعادة بناء الثقة بلبنان ودولته، ومن أجل إعادة الأعمار الوطني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، وكذلك من أجل تعزيز علاقات لبنان مع الأشقاء العرب ومع الأصدقاء في العالم، وذلك دون هوادة ودون تلكؤ، مع استعادة ذكرى اغتيال أخي وصديقي رفيق الحريري لا يمكنني إلا أن أقول إننا على العهد باقون نحمل راية لبنان الموحد المزدهر، لبنان الحرية والديمقراطية والعيش المشترك”.
سلام
اما سلام فقال:”في الذكرى السنوية لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لا تبدو المناسبة محطة وجدانية فحسب، بل فرصة للتأمل العميق في التحولات الإقليمية والدولية التي نعصف بالمنطقة، وانعكاساتها المباشرة على لبنان الكيان والدولة والدور. فالحدث الذي شكّل في 14 شباط 2005 نقطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، يتقاطع اليوم مع مرحلة لا تقل خطورة، تتداخل فيها حسابات واشنطن والرياض وطهران وتل أبيب وأنقرة ودمشق، وتُرسم على ضوئها خرائط نفوذ جديدة: عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتحول الأولوبات، سقوط نظام الأسد وصعود الشرع ، الدعم الأميركي لإسرائيل وحرب 2024 على لبنان ، لبنان بين مطرقة الصراع وسندان الانهيار ، دلالات ذكرى رفيق الحريري في هذا السياق ، تراجع الدور الإقليمي إيران بين الاستنزاف والتهديد ،التحول في العلاقات الخليجية – الإيرانية ، نتائج حرب غزة وحسابات الطاقة ،تراجع المحور الإيراني وانعكاسه على حزب اللّٰه، صعود الدور التركي”.
تابع:” وأخيراً خلاصات وتوقعات إقليمية ولبنانية: أمام هذا المشهد المعقد، يمكن استخلاص جملة من التوقعات الاقليمية: استمرار اعادة رسم موازين القوى في المنطقة على قاعدة تراجع الدور الإيراني وصعود أدوار بديلة. انتقال الصراع من الطابع العسكري المباشر الى صراعات نفوذ اقتصادية- طاقوية. احتمال بلورة تسوية أميركية-ايرانية بوساطة خليجية تؤدي الى اعادة توزيع أوراق النفوذ في الساحات العربية”.
أضاف:”أما على الصعيد اللبناني فيمكن القول: تصاعد الضغط الدولي لإعادة هيكلة الدولة اللبنانية حيث تترافق أي تسوية إقليمية مع شروط صارمة تتعلق بالإصلاح السياسي والمالي. إعادة تعريف دور لبنان الأمني: قد يُدفع باتجاه ترتيبات أمنية جديدة على الحدود الجنوبية تضمن هدوءاً أطول أمدًا. تراجع منطق المحاور التقليدية: مع سقوط النظام السوري السابق وتبدل موازين القوى، ستُعاد صياغة التحالفات الداخلية. فرصة لإحياء مشروع الدولة: إذا أحسنت النخبة السياسية قراءة التحولات، يمكن تحويل الضغوط إلى فرصة لإعادة بناء المؤسسات”.
ختم:” ان ذكرى اغتيال رفيق الحريري هذا العام تأتي في لحظة مفصلية. المنطقة تتغير بسرعة، والخرائط السياسية يُعاد رسمها، والتحالفات تتبدل. لبنان ليس خارج هذا المسار، بل في قلبه. غير أن مصيره لن يُحسم فقط في واشنطن أو الرياض أو طهران أو دمشق أو تل أبيب، بل في قدرته الداخلية على استعادة معنى الدولة، وفي تحمّل اللبنانيين مسؤولية اختيار موقعهم. بين منطق الدولة ومنطق الساحات، بين الاستقرار والفوضى”.
سليمان
بدوره تحدث سليمان وقال:”يمكن قراءة تحولات الشرق الأوسط خلال العقود الثلاثة الماضية من خلال اربع محطات مفصلية أعادت تشكيل موازين القوى:
تحرير الكويت ومؤتمر مدريد وما رافقهما من تقاطع أميركي– مع سورية الاسد. أحداث 11 أيلول واحتلال أفغانستان والعراق وما تبعه من تقاطع أميركي–إيران ولاية الفقيه. الربيع العربي وما احدثه من تغييرات بنيوية وحروب اهلية. طوفان الأقصى وما تلاه من حرب ابادة في غزة وانتصار اسرائيل وانهيار محور الممانعة،ثم سقوط نظام الأسد، وصعود الدور التركي.
في كل محطة تبدّلت أدوار القوى الإقليمية وانعكست مباشرة على الواقع العربي واللبناني”.
وفلت الى ان “المحطة الأولى شهدت انتقالا من مسار التسويات إلى انهيار عملية السلام وفي تلك المرحلة نشأ تقاطع مصالح واضح بين واشنطن ودمشق: ضبط إقليمي مقابل انخراط في مسار التسوية. لبنان في تلك المرحلة استفاد من مظلة الاستقرار النسبي، فكانت الوصاية السورية التي اتاحت قيام مشروع إعادة الإعمار وبناء الدولة والاقتصاد، متلازما مع مشروع تمكين الشيعية السياسية وتصاعد قوة حزب الله في مواجهة إسرائيل”.
وقال:”المحطة الثانية: 11 أيلول وإعادة تشكيل التوازنات. فلم تكن أحداث 11 أيلول مجرد عمل ارهابي كبير بل اعادت تعريف الأمن العالمي، وأطلقت الحرب على الإرهاب ونقلت الصراع من مواجهة عربية صهيونية الى صراع داخلي عربي–الإسلامي، وأعطت شرعية لتدخلات عسكرية مباشرة. وجاء سقوط بغداد العام 2003 ونظام صدام حسين ليكسر التوازن المشرقي التقليدي، وصعد نفوذ إيران، وتشكّل محور الممانعة، كتحالف للاقليات المشرقية، وتوسعت ظاهرة الميليشيات المسلحة المرتبطة بمحاور خارج الدولة، وتراجع مفهوم الدولة الوطنية وأضعف سيادتها ووحدة قرارها الأمني والعسكري، وتحوّل الصراع من نزاع عربي – اسرائيلي مركزي إلى صراعات داخلية وإقليمية متشابكة. المحطة الثالثة: الربيع العربي كنتيجة لإخفاق النظام العربي الرسمي: الذي ترافق مع أزمة بنيوية في النظام العربي الرسمي. وتحولت بعض الجمهوريات إلى أنظمة أسروية مغلقة وفاسدة، تعتمد التوريث لاستمرارها بالسلطة. اضافة الى إخفاق النظام الرسمي العربي، بمواجهة تحديات الصراع العربي الاسرائيلي، كما أخفقت السياسات الاقتصادية في إنتاج تنمية مستدامة. وأطلقت انتفاضات الربيع العربي طاقة تغيير كبرى، ورفعت مطالب الحرية والمساءلة. إلا أن ضعف البنى المؤسسية للحراك الشعبي، وظهور الإسلاميين كأكثر الاطراف تنظيما، فتحوّل الحراك من لحظة إصلاح سياسي محتمل، إلى مسار اضطراب بنيوي وحروب داخلية وتنافس إقليمي مفتوح على الساحات العربية. المحطة الرابعة : طوفان الاقصى وحرب الابادة الجماعية التي مارستها اسرائيل في غزة، والانتصار الاسرائلي على حزب الله وحركة حماس وايران، ادى الى انهيار محور الممانعة، وما تلى ذلك من قيام الولايات المتحدة الاميركية بضرب المنشآت النووية الايرانية، وقد ادت هذه الاحداث الى تعاظم الدور الاسرائيلي على حساب العرب، والى امساك اميركا لوجهات الاحداث في المنطقة ومآلاتها، والى أعادة ترتيب الأولويات الأمنية في المنطقة. وأظهرت الحروب ضعف فاعلية استراتيجيات اذرعة ايران ووكلائها، وكشفت الفجوة بين الخطاب التعبوي والقدرة العسكرية النظامية، وتراجع قدرة محور الممانعة على فرض توازن ردعي”.
أضافت:”كما أبرزت عدم فاعلية الخيارات العسكرية العربية في مواجهة الغرب واسرائيل. وبناء لنتائج الحروب تم انتقال مركز القرار العسكري إلى الدول لا التنظيمات، ودفعت إلى مراجعات داخل عدد من المحاور الإقليمية حول جدوى استراتيجيات الصدام المفتوح. ترافق ذلك مع سقوط نظام الأسد وتفكك بنيته، وصعود دور تركي متنامٍ في سورية الجديدة، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، كذلك تعزز الدور الإقليمي للمملكة العربية السعودية عبر الدبلوماسية الناشطة التي انهت حرب غزة وانتجت مقررات قمة الدول في شرم شيخ، وإعادة وصل ما انقطع عربياً، وتخفيف حدة الصراعات البينية. ويظهر نمط تنسيق بين تركيا ومصر والسعودية، و يهدف إلى إعادة التوازن للنظام الإقليمي العربي، ومنع انفراد اسرائيل بالهيمنة العسكرية على المشهد الاقليمي”.
وطرح أسئلة مفصلية للمستقبل:” هل ما زال الخيار العسكري العربي ممكنًا أمام التفوق الإسرائيلي؟ الوقائع تشير إلى فجوة تكنولوجية وعسكرية كبيرة. الخيار العسكري النظامي الشامل ضعيف الاحتمال، فيما تتقدم بدائل الردع غير المباشر، والتحالفات، والتوازنات الإقليمية، وأدوات الضغط الدبلوماسي والاقتصادي. هل السلام مع حكومات اليمين الإسرائيلي متاح؟ وبأي شروط؟
السلام الشامل صعب في ظل اليمين العقائدي الصهيوني، لكن ترتيبات جزئية أو مرحلية ممكنة، إذا اقترنت بضمانات دولية، ومصالح متبادلة، وأطر أمنية واضحة. الثمن سيكون مرتفعًا سياسيًا، وأقل إقليميًا مما كان في مراحل سابقة. ما مستقبل الإسلام السياسي السني والشيعي بعد أزمته المتفاقمة؟
الإسلام السياسي يعيش مرحلة إنهاك وفقدان نموذج الحكم الناجح، البديل المرجح هو صعود صيغ “دولة وطنية مدنية” محافظة الهوية، غير أيديولوجية، تركز على الإدارة والتنمية لا العقيدة القتالية.
ـ هل يتسيد المشروع الصهيوني قرار المنطقة؟ وما هي السياسة الأميركية تجاه القوى الإقليمية؟
لا تسيد مطلقًا لأي مشروع منفرد؛ السياسة الأميركية تقوم على إدارة توازن بين القوى الإقليمية الكبرى؛ تركيا، السعودية، مصر، قطر، والأردن، ومنع هيمنة طرف واحد. الهدف هو شبكة توازنات وضبط نزاعات، لا تسليم قيادة المنطقة لقوة واحدة”.
وختم:”بين المحطات الاربع، يتأكد أن الثابت الوحيد هو تبدل الموازين. اما الدلالة اللبنانية في ذكرى رفيق الحريري فهي ان تجربته كانت مشروع بناء دولة حديثة اولويتها تسييرالمؤسسات، والاقتصاد المزدهر، والانفتاح العربي والدولي، وربط الاستقرار الداخلي بشبكة مصالح خارجية متوازنة. إن استذكار هذه التجربة اليوم هو تذكير بأن حماية لبنان لا تكون بالارتهان للمحاور، بل ببناء دولة قادرة، ذات شرعية داخلية وعلاقات عربية ودولية راسخة. الرسالة الأعمق في ذكرى رفيق الحريري: لا حماية لكيان بلا دولة، ولا دولة بلا مؤسسات، ولا مؤسسات بلا شرعية وطنية”.
سعيد
بدوره قال سعيد:” في 11/11/2004، أُعلن عن وفاة ياسر عرفات في مستشفى كلامار العسكري الفرنسي، في ظل غموضٍ لف سبب وفاته، وقد تحدّثت تقارير عن فرضية التسمم لرئيس السلطة الفلسطينية وهو ما أكدته تحقيقات أجراها خبراء سويسريون.
في 2005-2-14، اغتيل رئيس وزراء لبنان الشهيد الرئيس رفيق الحريري في وسط بيروت، وأكدت المحكمة الدولية ضلوع عناصر من حزب اللّٰه في اتخاذ القرار والتخطيط والتنفيذ لعملية الاغتيال. في 2006-12-30، أعدم الرئيس صدام حسين يوم عيد الاضحى في ظل الاجتياح الاميركي للعراق.
أي بين ال2004 وال2006، وبعد ثلاث سنوات من عملية 11 أيلول 2001 في نيويورك، غابت ثلاث قامات سنية عربية من فلسطين ولبنان والعراق، ما أدّى إلى توسّع النفوذ الايراني في المنطقة معتمداً على الأقليات في مواجهة الغالبية السنية”.
وتابع:”سعى الاميركيون، بعد اتهام الاسلام، وبالتحديد الجناح السنّي، بأحداث 11 ايلول إلى تغيير سياستهم في المنطقة، واعتبروا أن السنّة كجماعة هم مصدر القلق العالمي. قررت الادارات الاميركية المتعاقبة بناءً على نصائح استخباراتية، اعتبار الجناح الشيعي، بقيادة ايران، أقل خطورة على الغرب من الجناح السنّي. سهلت اميركا تمدّد ايران في المنطقة، وتنبهت بعض القيادات السنية العربية إلى ذلك، منها الرئيس حسني مبارك والعاهل الاردني عبدالله الثاني. لم ننتبه نحن في لبنان إلى هذا الواقع ولم نفهم ماذا كان يجري من حولنا، لم نفهم لماذا استمرت الاغتيالات بعد استشهاد الرئيس الحريري، لم نفهم ماذا يعني إدخال بند حماية الانظمة والرؤساء على النظام الاساسي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والذي كان شرطاً لقيامها. لم نفهم ماذا يعني افساح المجال ل 7 أيار 2008 والذي أدى إلى استبدال اتفاق الطائف باتفاق الدوحة. لم نفهم مع اندلاع الثورة السورية ماذا يعني امتناع اميركا عن ضرب بشار الاسد بعد استخدامه للسلاح الكيمياوي في الغوطة. لم نفهم ماذا يعني اتفاق اوباما وايران حول الملف النووي، لم نفهم ماذا يعني أن يكون دايفد هايل، سفير اميركا في لبنان، من أشد المدافعين عن انتخاب ميشال عون رئيساً بدعمٍ من حزب الله. تبدّلت الاوضاع يوم 7 تشرين الاول 2023، حين اعلنت حماس بقيادة يحيا السنوار حرب طوفان الاقصى على اسرائيل”.
اضاف:” اعتبرت اسرائيل ان حرب طوفان الاقصى وعبور مقاتلي حماس إلى الداخل الاسرائيلي رغم وجود حدود High-tech هو بمثابة جريمة ضد اليهود وتأتي بالمرتبة الثانية بعد إبادة هتلر. المنطقة لا يشكل أبداً الضمانة المطلوبة. دخلنا في مرحلة جديدة، إذ اكتشفت اسرائيل ومن خلفها اميركا، أن الرهان على ايران والاقليات في وفهمت اسرائيل ان تأمين حوالي 40 مليون دولار شهرياً لحماس من قطر بهدف شقّ الصف الفلسطيني لا يمنع حماس ومن خلفها ايران من الاعتداء، وفهمت اسرائيل ان حزب اللّٰه لا يشكل ضمانة أمن الجنوب، فقد دخل حرب الاسناد والتحق بحماس بقرار من ايران، كما فهمت اسرائيل أن طريق طهران-بيروت مروراً بسوريا يشكل خطراً وجودياً عليها. اليوم، اميركا حليف الرئيس احمد الشرع، فهو من قطع طريق طهران-بيروت، وهو من انهى الوجود العسكري الايراني في سوريا. دخل في مفاوضات مع اسرائيل من اجل التوصل لفك اشتباك عسكري، وتحوّل إلى شريك اميركا في محاربة داعش، نجح في وضع سوريا مجدداً في قلب الحضن العربي”.
وختم:”ما هي انعكاسات هذه المرحلة علينا؟ هناك من يعتبر ان الازمة التي يعيشها لبنان هي أزمة حزب مهزوم أو طائفة منكوبة، الحقيقة انه مع انهيار وضعية حزب اللّٰه كذراع عسكري لايران في لبنان انهار المسرح السياسي اللبناني بأكمله. فالازمة ليست أزمة طائفة واحدة بل أزمة كل الطوائف التي تعبّر عن ذلك بأشكالٍ مختلفة. ففي حين يمرّ الشيعة في أصعب الظروف السياسية والمعيشية تبرز أزمة في الشارع السني، إذ تبدو الساحة السنية الداخلية فارغة فيما تعيش الشام حالة من الامتلاء السياسي. كما تبرز أكثر وأكثر علامات القلق في الوسط المسيحي حتى حدود الحذر من دولة لبنان الكبير. هذا يؤكد مجدداً على ما تعلمناه من التجربة اللبنانية، وهو أن لا حل لأية جماعة في لبنان خارج الحل الوطني الجامع، والحل الوطني الجامع يكون من خلال التمسك بالدستور وبوثيقة الوفاق الوطني التي تشكل لنا جميعاً نصاً مرجعياً لتنظيم العلاقات اللبنانية اللبنانية، في حين تفتقد دولٌ عدة في الجوار لنصٍ مرجعيّ مشابه”.
ثم كان حوار مع الحضور.\





