بأقلامنا

غزة… الجرح المتجدد والنازف منذ سنوات بقلم يوسف أبو سامر موسى

 

ليست غزة جرحًا طارئًا في جسد المنطقة، بل نزيفًا مفتوحًا منذ سنوات طويلة، يتجدد كلما حاول العالم إقناع نفسه أن ما يجري “حدثٌ مفاجئ” أو “انفجار غير متوقع”. ومن هنا، يصبح تصحيح الرأي العام واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا: إن عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 لم تكن وليدة الساعة، ولا قرارًا معزولًا عن سياقه، بل جاءت نتيجة حتمية لمسار طويل من القتل والحصار والقهر المنهجي الذي فُرض على الشعب الفلسطيني، وعلى قطاع غزة بصورة خاصة.
منذ ما يقارب تسعة عشر عامًا، يعيش أكثر من مليوني إنسان في غزة تحت حصار خانق لم يعرف له التاريخ الحديث مثيلًا. حصار لم يقتصر على منع السلاح، بل طال الغذاء والدواء والكهرباء والماء، وامتد ليشمل الكرامة الإنسانية نفسها. معابر تُفتح وتُغلق وفق مزاج الاحتلال، سفرٌ محكوم بالإذلال، تجارةٌ مشلولة، واقتصاد يُخنق عمدًا ليبقى المجتمع على حافة الانهيار الدائم.
وفي موازاة الحصار، لم يتوقف القتل. عدوان يتلوه عدوان، ودم فلسطيني يُسفك بانتظام، في غزة والضفة والقدس، دون مساءلة أو عقاب. ومع ذلك، يُطلب من الضحية أن تصمت، وأن تقبل بالموت البطيء بوصفه “استقرارًا”، وبالاختناق الجماعي باعتباره “هدوءًا أمنيًا”.
إن ما يغيب عمدًا عن الخطاب الغربي السائد هو أن غزة ليست فقط مساحة محاصرة، بل موقع استراتيجي بالغ الحساسية. فالسواحل الغزية تحتضن ثروات غازية وبحرية واعدة، شكّلت منذ سنوات مطمعًا واضحًا للمشروع الأمريكي–الصهيوني. هذه الثروات ليست منفصلة عن مشروع أوسع، يتمثل في إحياء وتوسيع ما يُعرف بمشروع قناة بن غوريون، أو “البحر الممتد”، الذي يسعى لربط البحر المتوسط من شواطئ غزة الشمالية بخليج إيلات جنوبًا.
هذا المشروع، إن كُتب له النجاح، لا يعني فقط السيطرة على ثروات غزة، بل يحمل في طياته أبعادًا أخطر:
تحجيم الدور الجيوسياسي لجمهورية مصر العربية،
وفتح مسار ملاحي بديل قد يؤدي، على المدى البعيد، إلى تهميش قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
من هنا، يتضح أن غزة ليست عبئًا أمنيًا كما يُصوَّر، بل عقدة استراتيجية في صراع المصالح الإقليمية والدولية. والحصار، في جوهره، ليس فقط عقابًا جماعيًا، بل أداة لإخضاع الجغرافيا تمهيدًا لإعادة تشكيلها بما يخدم مشاريع الهيمنة.
إن تصوير طوفان الأقصى كفعل “مفاجئ” أو “غير مبرر” هو تزوير للواقع وقفز متعمد فوق الأسباب. فلا يمكن فصل النتيجة عن مقدماتها، ولا تحميل شعب محاصر مسؤولية الانفجار، بينما يُعفى الجلاد من تاريخه الدموي.
غزة اليوم ليست فقط مدينة تحت النار، بل شاهد حي على فشل النظام الدولي، وعلى عجزه – أو تواطئه – في حماية أبسط حقوق الإنسان. وما دام الحصار قائمًا، والقتل مستمرًا، والطمع بثروات الأرض والبحر حاضرًا، فإن الجرح سيبقى مفتوحًا…
وسيبقى النزيف مستمرًا، مهما حاولوا تغيير أسماء المعارك وتواريخها.

الجمعة 9 كانون ثاني 2026

✍️: يوسف أبو سامر موسى
باحث سياسي حائز على دبلوم في العلوم السياسية والتحليل السياسي

زر الذهاب إلى الأعلى