سجن جنيد والمعاناة المزدوجة للفلسطينيين: بين الاعتقال الإسرائيلي وقمع السلطة الفلسطينية بقلم يوسف أبو سامر موسى

يعيش الفلسطيني اليوم واحدة من أقسى مراحل تاريخه الحديث حيث تتقاطع عليه أوجاع الاحتلال مع مرارة القمع الداخلي في مشهد يختزل المعاناة المزدوجة التي أنهكت الإنسان والأرض معاً، فبينما يواجه الفلسطيني بطش الاحتلال واعتقالاته التعسفية يجد نفسه في أحيان كثيرة أمام واقع داخلي لا يقل قسوة يتمثل في الاعتقال السياسي والملاحقة داخل سجون السلطة الفلسطينية وعلى رأسها سجن جنيد في نابلس.
سجن جنيد المسلخ الذي لا يُنسى.
يقع سجن جنيد في مدينة نابلس و هو أصلا عبارة عن مستشفى عسكري بنته الحكومة الأردنية وسقط بيد الاحتلال وهو غير مكتمل بناية عظم قرر اليهود تحويله إلى سجن مع بداية الثمانينيات ويخضع الان لإشراف السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس غير أن اسمه المتداول بين المواطنين هو المسلخ وهو وصف لم يأتِ من فراغ بل من تجارب قاسية عاشها من دخلوا أقبيته وزنازينه.
يروي معتقلون سابقون أن أساليب التحقيق والتعذيب داخله تشبه إلى حد بعيد ما كان يُمارس في سجون الاحتلال من الشبح لساعات طويلة إلى الضغط النفسي والإذلال وصولاً إلى الضرب والتنكيل وهناك على جدران الزنازين لا تزال محفورة أسماء قادة المقاومة منحوتة كشاهد حيّ للتذكير على مرحلة من الصراع وكدليل على أن الانقسام الداخلي أضاف جرحاً جديداً إلى جسد القضية الفلسطينية.
سجن جنيد اليوم يكتظ بالمعتقلين وتتجدد بين غرفه قصص المعاناة حتى بات يوصف بأنه مقبرة متنقلة لأبناء الشعب الفلسطيني وشاهداً مؤلماً على ظلم ذوي القربى.
أبناء مخيم جنين من ركام البيوت إلى زنازين السجون
من بين أبرز المعتقلين في سجن جنيد هذه الايام عدد من أبناء مخيم جنين المخيم الذي تعرض لعمليات عسكرية مدمّرة خلّفت دماراً واسعاً في البيوت والبنى التحتية وشرّدت العائلات وقطعت مصادر الرزق حيث أصبح كثير من أبناء المخيم نازحين داخل وطنهم يواجهون قسوة النزوح ومرارة الفقد فقد الاحبة اما شهداء واما معتقلين وسط شعور بالتخلي وغياب الاحتضان الرسمي.
المأساة لا تقف عند حدود الهدم والتشريد فبعض العائلات التي فقدت بيوتها وجدت أبناءها خلف القضبان رغم صدور قرارات إفراج قضائية بحق معظمهم، هكذا تتضاعف المعاناة: بيت يُهدم وأسرة تُشرّد وابن يُعتقل وأمّ تنتظر بين الركام.
استنزاف مادي ومعنوي في ظل ظروف إنسانية قاسية تكاد تكسر الجبال
يُطلب من الأهالي الذين فقدوا كل شيء تقريباً تأمين احتياجات أبنائهم داخل السجن من الكانتينا اي متجر البيع داخل السجن إلى المصاريف اليومية، والعائلات بحذ ذاتها تبحث عن مأوى لنفسها مطالبة في الوقت ذاته بتأمين ما يسد رمق أبنائها في الزنازين.
إلى جانب ذلك يعاني المعتقلون من نقص حاد في أبسط مقومات الحياة داخل السجن ما يفاقم تدهور أوضاعهم الصحية والنفسية في ظل شكاوى متكررة من التعذيب الجسدي والنفسي وكل ذنبهم أنهم من أبناء مخيم واجه الاحتلال عبر تاريخه واحتضن المقاومة.
بين قرارات البراءة وغياب التنفيذ
تشير المعطيات إلى أن عدداً من المعتقلين صدرت بحقهم أحكام براءة أو قرارات إفراج إلا أن تنفيذها يتعثر ما يطرح تساؤلات جدية حول سيادة القانون واستقلالية القرار القضائي، حين يُحتجز الإنسان رغم براءته القانونية، تتحول العدالة إلى مطلب لا إلى واقع.
المطلوب: عدالة وكرامة وإنهاء المعاناة
إن استمرار هذه السياسات يفاقم الاحتقان الداخلي ويهدد النسيج الوطني لأن القهر المتراكم يولّد الانفجار. المطلوب اليوم:
– وقف كافة أشكال التعذيب والتنكيل داخل سجن جنيد.
– مراعاة الظرف الاستثنائي لأهالي مخيم جنين النازحين.
– احترام قرارات القضاء وتنفيذ الإفراجات الصادرة بحق المعتقلين.
– تحرك المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر لمتابعة أوضاع المعتقلين وضمان حقوقهم الإنسانية.
إن مقاومة الاحتلال حق تكفله القوانين والمواثيق الدولية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال ولا يجوز تجريم المقاومين أو الزجّ بهم في سجون تخدم بشكل مباشر أو غير مباشر أجندات تتقاطع مع مصالح الاحتلال.
يبقى السؤال الأخلاقي والوطني مطروحاً:
كيف يمكن لشعب يواجه احتلالاً شرساً أن يتحمل سجوناً داخلية تضيق على أبنائه؟ إن العدالة ليست ترفاً بل شرط بقاء والحرية ليست شعاراً بل حق لا يسقط بالتقادم.
اختم بقول مأثور .. إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة… ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة
✍️ يوسف أبو سامر موسى باحث سياسي/فلسطين
الاثنين 23 شباط 2026






