الإعلام المأجور وخطورته على الوعي العام. بقلم يوسف أبو سامر موسى

باحث سياسي / فلسطين
درّستنا الكليات والجامعات أن الإعلام هو سلطة أخلاقية قبل أن يكون مهنة، ورسالة قبل أن يكون وظيفة، وأداة وعي لا وسيلة تضليل. تعلّمنا أن جوهر الإعلام يكمن في نقل الحقيقة، وتصويب الرأي العام، وتسليط الضوء على القضايا الجوهرية التي تمسّ حياة الشعوب وكرامتها، بما يحرّك المجتمعات لمحاسبة حكوماتها، ومواجهة الفساد، ومنع التغوّل على القوانين العامة، سواء داخل الدول أو على مستوى القانون الدولي. ولهذا كان الإعلام النزيه دومًا مصدر خوف للأنظمة القمعية، لأنه يكشف الجرائم ويكسر جدار الصمت ويمنح المظلوم صوتًا.
غير أنّ الواقع المعاصر يكشف انقلابًا خطيرًا في وظيفة الإعلام، حيث تحوّل جزء كبير منه إلى أداة بيد الحكّام وصنّاع القرار، ودمية تتحكم بها الأنظمة السياسية والمالية، تُحرّكها وفق مصالحها، وتُسخّرها لتزوير الحقائق وقلب المفاهيم. لم يعد الإعلام في كثير من الأحيان ناقلًا للحقيقة، بل صانعًا للرواية المزيّفة، يلمّع الجلاد، ويشيطن الضحية، ويبرّر الجريمة تحت عناوين خادعة.
تُمارَس هذه الهيمنة عبر سطوة مباشرة على المؤسسات الإعلامية، أو عبر الترهيب والضغط، أو من خلال الترغيب والتمويل المشروط، بحيث تُجنّد المنابر والإعلاميون أنفسهم لترويج خطاب السلطة، ولو كان ذلك على حساب الحقيقة والضمير المهني. وهنا تكمن الخطورة الكبرى: حين يصبح الإعلام شريكًا في الجريمة، لا شاهدًا عليها.
ويتجلّى هذا الانحراف بوضوح فيما يجري في فلسطين، ولا سيما في غزة، وكذلك في لبنان وسوريا وإيران، حيث تُقدَّم العربدة الصهيونية والطغيان الأميركي على أنها “دفاع عن النفس”، ويُبرَّر القتل الجماعي، وتُسوَّق الإبادة والتدمير كإجراءات أمنية مشروعة. يتجاهل الإعلام المأجور جذور الصراع، ويتغاضى عن الاحتلال والحصار والعدوان، ويروّج لرواية المعتدي، في واحدة من أخطر عمليات التضليل المنهجي للرأي العام العالمي.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى التلاعب بالمصطلحات، كما في توصيف ما جرى مع رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، حيث يُطلق عليه توصيف “الموقوف” من قبل الإدارة الأميركية، بدل توصيف الحقيقة بوصفه “مخطوفًا” من بلده، في محاولة لتجميل الفعل الإجرامي وإلباسه غطاءً قانونيًا وإعلاميًا زائفًا.
وفي الوقت الذي تُضخّم فيه الآلة الإعلامية التابعة للإدارة الأميركية والكيان الصهيوني أي حدث داخلي في إيران، وتُقدَّم الوقائع بشكل انتقائي ومشوَّه، نرى تغاضيًا فاضحًا عن المظاهرات والاحتجاجات داخل الولايات المتحدة نفسها، نتيجة عنف وإجرام قوات إنفاذ القانون، في ازدواجية معايير تكشف زيف ادعاءات الحرية والديمقراطية.
إن أخطر ما في الإعلام المأجور ليس كذبه الصريح فحسب، بل قدرته على صناعة وعي زائف، وتطبيع الجريمة، وتخدير الشعوب، وتحويل الظلم إلى أمر اعتيادي، والعدوان إلى حق مشروع. وهنا يتحوّل الإعلام من أداة تحرّر إلى وسيلة قمع ناعمة، أخطر من السلاح.
من هنا، فإن المسؤولية التاريخية والأخلاقية تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية والإعلاميين أنفسهم، بأن يعودوا إلى ما درسوه، وإلى المعنى الحقيقي لمهنتهم، وأن يحافظوا على نزاهة مفهوم الإعلام، لا بوصفه بوقًا للسلطة، بل سيفًا للحقيقة. فالإعلام الحر هو خط الدفاع الأول عن العدالة، ومحاسبة المجرمين، وفضح الأكاذيب، ومن دونه تضيع الحقيقة، وتُغتال القيم، ويُترك المظلوم وحيدًا في مواجهة آلة القتل والتضليل.
✍️ يوسف أبو سامر موسى باحث سياسي / فلسطين
13 كانون ثاني 2026






