بأقلامنا

هيئة الأسواق المالية في لبنان: مؤسسة بلا سوق… وواجهة إصلاح وهمي بقلم د. عدنان يعقوب

في الدول التي تمتلك اقتصاداً منتجاً وأسواقاً مالية نشطة، تُعدّ هيئات الأسواق المالية ضرورة أساسية لتنظيم تداول الأسهم والسندات وحماية المستثمرين.
غير أن السؤال الجوهري في الحالة اللبنانية هو التالي:
-هل يملك لبنان أصلاً سوقاً مالية حقيقية تحتاج إلى هيئة تنظّمها؟
أُنشئت هيئة الأسواق المالية في لبنان عام 2011. وجاء هذا القرار في عهد حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، وضمن مناخ سياسي–اقتصادي كان يهدف إلى إظهار لبنان كبلد يواكب المعايير الدولية للحوكمة والإصلاح، استجابة لمطالب مؤسسات مالية خارجية أكثر مما هو تعبير عن حاجة داخلية فعلية.
من الناحية المنهجية، يرتكز أي سوق مالي فعّال على 3 عناصر أساسية: شركات مساهمة كبيرة، قاعدة واسعة من المستثمرين، وحركة تداول نشطة. هذه العناصر غير متوافرة في لبنان.
فالاقتصاد اللبناني يقوم بمعظمه على شركات صغيرة ومتوسطة، غالباً عائلية، لا تعتمد نموذج الشركات المساهمة العامة، ولا ترى في البورصة وسيلة تمويل قابلة للحياة
حيث تشير الوقائع إلى أن أكثر من 90%من النشاط الاقتصادي اللبناني يقع خارج أي إطار لسوق الأسهم.
أما بورصة بيروت، التي يُفترض أن تكون المساحة الطبيعية لعمل الهيئة، فهي تعاني منذ سنوات من ضعف شديد في التداول، وعدد محدود من الشركات المدرجة، وغياب شبه كامل للاكتتابات العامة.
من هنا فإن السوق التي أنشئت الهيئة لتنظيمها هي سوق هامشية إن لم تكن شبه غائبة.
وبالتالي تبرز الإشكالية الأساسية:
أنشأ لبنان هيئة تنظيمية متقدمة في غياب السوق التي تبرّر وجودها. والنتيجة كانت مؤسسة ذات قوانين حديثة وبنية إدارية مكلفة، لكنها تفتقر إلى الأثر الاقتصادي الملموس. بهذا المعنى، تحوّلت هيئة الأسواق المالية إلى جزء من ما يمكن تسميته “اقتصاد الواجهة”، حيث تُستنسخ مؤسسات الدول المتقدمة من دون توافر الشروط البنيوية لنجاحها.
إن النقد هنا لا يستهدف المبدأ بحد ذاته، بل الأولويات. فلبنان، ولا سيما بعد الانهيار المالي، كان أحوج إلى إصلاح القوانين التجارية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتوجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية، وحماية حقوق المودعين، بدل الاستثمار في مؤسسات لا تجد بيئة حقيقية تعمل ضمنها.
الخلاصة أن هيئة الأسواق المالية في لبنان تمثّل مثالاً واضحاً على اختلال ترتيب الإصلاحات: مؤسسة بلا سوق، وتنظيم بلا اقتصاد منتج، وإصلاح شكلي بلا مضمون تنموي. وإعادة النظر في هذا النموذج لا تعني إلغاء المؤسسات، بل إعادة ربطها بمسار اقتصادي واقعي يبدأ من دعم الإنتاج وبناء الثقة، لا من استنساخ الهياكل.
د. عدنان يعقوب
باحث وأستاذ جامعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى