كتب عصام الحر في موسم الموازنة وزحمة الضّرائب

في موسم الموازنة وزحمة الضّرائب
زميل دراسةٍ هو.
رأيتُه بعد غيبة عقود.
كنتُ أشتري الصحيفة اليوميّة من بائع متجوّل، عندما فوجئتُ بأحدهم يناديني باسمي. التفتُّ فإذا هو نفسه. صدمَني منظره. كان منكوش الشّعر، مسترسل الشاربَين إلى حدّ المبالغة. طال شعر لحيته بعض الشّيء.
_ فلان؟
قلتُها باستغراب.
* وهل نسيتَني؟
_ لا. لكنْ، أين كنتَ طوال هذه المدّة؟
*كنتُ هناك.
_ لا أمزحُ معك. لم أرَك منذ زمن. أين كنت؟
أجاب بعصبيّة:
*قلتُ لكَ كنتُ هناك. في الوطن وخارجه.
_ ماذا تقصد؟
– كما سمعتَ. داخل الوطن وخارجه. ضمن تلك الأسوار.
_ لم أفهمْ.
* معك حقّ. كنتُ في مكانٍ ما من هذا الوطن، وكان ممنوعًا عليّ أن أخرج منه إلى سائر الوطن.
بدأتْ تتّضحُ الصورة في ذهني، فاصطنعتُ الهدوء، وقلتُ:
_ وكيف خرجتَ إلى الوطن؟
* هربتُ. يريدون إبقائي بالقوّة.
شعرتُ بأنّ عليّ أن أغادر المكان لئلّا يحدث ما لا أريده، لكنّه أمسكَني من كتفي، وقادني إلى طرف الرّصيف، وقال:
* صحيحٌ أنّني كنتُ معزولًا عن الوطن، لكنّني كنتُ أتابع أخباره بالتفصيل.
_ وهل ترى في أخباره ما يثير الاهتمام؟
* نعم ولا.
_ كيف؟
* أحيانًا هناك أخبار لاتستحقّ أن يدور بها اللّسان، ومع ذلك تستأثر بمساحةٍ واسعةٍ من الاهتمام، وأحيانًا هناك أخبار جدّ مهمّة، ومع ذلك لا تأخذ حقّها من الاهتمام…
_ وأيّ نوع من الأخبار يثير اهتمامك؟
* أخبار كثيرة تهمّني. لكنّ اهتمامي منصرفٌ اليوم إلى خبرٍ وحيد.
– وما هو؟
* إنّه انهيار العملة ومحاولاتكم البائسة السّاعية إلى إقرار ضرائب تستطيع اللّحاق بالدّولار وتؤمّن موارد إضافيّة للدّولة، ومع ذلك، تخرجون في النّهاية بحلولٍ مجتزأة.
_ حلول مجتزأة؟!.. كيف؟
* سأشرح لك.. القوانين التي أصدرتموها حملتْ إضافات ضريبيّة كثيرة. أليس كذلك؟
_ بلى…
* ومع ذلك لم يرضَ عنها أحد. صحيح؟
_ صحيح.
* أتعرف لماذا؟
_ لا.
نظرَ إليّ بعينين جدّ مفتوحتين، وقال:
* أنا أقول لك لماذا.
_ تفضّلْ.
بدا كمن ظفر بما يريد، وبعد أن زفر زفرةً طويلة، قال:
* لأنّها غير عادلة.
_ كيف؟
* اسمعْ. الضّرائب طالت رسوم الدّوائر العقاريّة ورسوم الماء والكهرباء والهاتف، وسبق قبل سنوات أن فُرضت ضرائب على معاشات التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة، وكذلك رسوم معاملات الزّواج وتسجيل الولادات، إضافةً إلى مجالات أخرى لم أعدْ أذكرُها.
_ صحيح.
* ومع ذلك ما من أحدٍ راضٍ، وكلّ الضّرائب المنتظَرة لم ولن تحلّ المشكلة. أليس كذلك؟
_ ربّما.
* بل أكيد. وهذا يعود، كما سبق وقلتُ، إلى غياب العدالة.
_ لم أفهم. كيف؟
* سأشرح لك وبالتفصيل. رسوم الميكانيك ستطال من يملكون سيّارات. صحيح؟
_ أجَل. صحيح.
* معنى ذلك أنّ من لا يملك سيّارة «سيزمط» من الضّريبة. هل في كلامي من خطأ؟
_ لا. إطلاقًا.
* والضّرائب التي سبق أن فُرضت على معاشات التّقاعد وتعويضات نهايات الخدمة ستصيب الموظّفين من دون غيرهم. أليس كذلك؟
_ بلى.
* معنى ذلك أنّ غير الموظّفين لن تطالهم الضّريبة.
_ فعلًا.
* والضّريبة التي سبق أن فُرضت على معاملات الزّواج ستطال من لم يتزوّج بعد.
_ صحيح.
* ومعنى ذلك أنّ الذين سبقَ لهم أن تزوّجوا لن تلحقَهم هذه الضّريبة.
_ واضح.
* والضّريبة الّتي سبق أن فُرضت على معاملات تسجيل الولادات ستطال فقط من يُرزَقون أولادًا.
_ أكيد.
* والضرائب الهائلة التي طالت مؤخّرًا فواتير الكهرباء ستصيب من عندهم ساعات من كهرباء الدولة، ومعنى ذلك أنّها لن تصيب من لا يملكون ساعات، ولا أولئك الذين سيلغون هذه السّاعات ويتخلّون عن اشتراكهم في كهرباء الدولة..
_ صحيح
* والزيادات المجنونة التي فُرضت على رسوم الهواتف ستطال من يملكون أجهزة هاتفيّة، ولن تطال من لا يملكون هاتفًا..
_ تمامًا
وقف ضاحكًا، وقال:
* إذًا، الضّرائب المقترَحة لن تطال كلّ فئات المواطنين، وبالتالي فهي غير عادلة. هل لك اعتراض على ما أقول؟
_ قد يكون كلامك صحيحًا. لكنْ ما الحلّ؟
أجاب بلهجة المنتصر:
* الحلّ عندي.
_ عندك؟! ما هو؟
* نعم. عندي وستعرفه. لكنْ، قلْ لي: هل هناك مُواطن بلا منزل؟
_ لا أعتقد.
* وهل هناك منزل بلا بابٍ أو نوافذ؟
_ طبعًا لا.
* وهل هناك مَن يقتني سيّارة بلا نوافذ؟
_ طبعًا لا.
زفرَ زفرةً عميقةً كمن أزاح جبلًا عن صدره. ثمّ التفتَ إليّ وقال:
* هل عرفتَ الحلّ؟
_ طبعًا لا.
انفعل، وبعصبيّةٍ ظاهرة تنمّ عن كثير من الضّيق، قال:
* أغبياء.
تابعَ:
* لماذا لا تفرِضُ الدّولةُ ضريبة تنفّس؟
_ ضريبة تنفّس؟!
* أجَل. ضريبة تنفّس. وهي ضريبة تطال جميع المواطنين، وبالتّساوي.
_ لم أفهمْ.
وبانفعالٍ متجدّد، قال:
* سأُفهِمُكَ. تستطيع الدّولةُ أن تفرض ضريبة على الهواء الذي يتنفّسه المواطن، وتستطيع أن تنطلق في ذلك من الفتحات الهوائيّة التي يستفيد منها.
_ أيضًا لم أفهمْ.
* أغبياء. ستفهم.
وكمُحاضِر عريق، راح يشرح:
* إذا كان المُواطِن يقيم في منزلٍ متواضع دفعَ ضريبةً عن النّوافذ الثّلاث أو الأربع المزوَّد بها منزله، أمّا إذا كان مقيمًا في قصر، فيدفع ضريبة عن النّوافذ الثّلاثين أو الأربعين أو الخمسين الّتي تزيّنه… وإذا امتلكَ سيّارةً دفع ضريبةً عن إفادته من نوافذها الأربع، وعندما تتعدّد سيّاراته تنضاعف قيمة الضّريبة… أمّا إذا لم يمتلك سيّارة فيدفع فقط ضريبة الهواء الذي يتنشّقه خلال سيره راجلًا. وبهذا، لا «يزمط» من الضّريبة أحد، ويتساوى جميع المواطنين في نعمة الدّفع، فلا يشكو أحدٌ منهم ظلامةً أو غبنًا.
قال جملته الأخيرة، وحدّقَ في عينيّ وكأنّه يريد تثبيت انتصاره وحسْم المعركة لمصلحته بما لا يقبل النّقاش، فقلتُ:
_ لكنْ، ماذا يفعل المواطن الذي لا يستطيع دفْع قيمة مثل هذه الضّريبة؟
وبلهجةٍ فيها الكثيرُ منَ الحسم والتّقرير، قال:
* فَلْيَفْطَسْ… وهل يريد أن يعيش مجّانًا؟!
وقبل أن أنبس ببنت شفة، قال:
* هاك الحلّ. تستطيع أن تنشره.
حاولتُ أن أمسكَ به، لكنّه سارعَ إلى الابتعاد، ورأيتُه ينحدر باتّجاه الشّاطئ القريب… ربّما بحثًا عن بقعةٍ لا هواءَ فيها..!!…
مجنون…
عصام حسين الحُرّ






