جلسة حنين” للسبعينات وشهاب و”حركة الوعي” وصناعة “الرمز” بقلم عبد الهادي محفوظ

في جلسة ضمت عددا من المحامين والأطباء والكتّاب والإعلاميين جرى نقاش ما أدلى به السفير الأميركي في تركيا توم برّاك من أن “لبنان دولة فاشلة”. ومع أن هذا التوصيف ليس فيه مبالغة، إنما الخطأ الذي وقع فيه السفير الأميركي من أصل لبناني هو تصريحه أن “قيامة دولة لبنان تتم عبر الحوار المباشر مع اسرائيل”.
في هذه الجلسة كانت هناك أفكار كثيرة وحنين إلى مطلع مرحلة السبعينات حيث شهد لبنان نوعا من السلم الأهلي أنتج “حركة الوعي” في الجامعات اللبنانية التي جاءت من مصادر حزبية مسيحية مختلفة وتحوّلت إلى حركة علمانية غير طائفية واستطاعت أن تنتزع موقعا قياديا في روابط الجامعة اللبنانية والجامعتين اليسوعية والأميركية. وكان من روّادها الأساسيين اثنان. الدكتور عصام خليفة والكاتب والشاعر والمسرحي بول شاوول وكثيرون حيث استطاعت هذه “الحركة” منافسة اليسار التقليدي واليميني على السواء.
وفي الحوار الذي دار استذكر المحامي بسام الحلبي ما كان ذكره وزير الخارجية السابق الدكتور فؤاد بطرس في كتابه عن اللواء فؤاد شهاب في جلسة له معه حيث سأله الرئيس شهاب من تقترح رئيسا لمجلس القضاء الأعلى ويكون الأفضل بين القضاة فأجابه الوزير بطرس: الأفضل هو القاضي اميل أبو خير. ولكن لا يمكنك أن تختاره لأنه رفض حكم الإعدام لقادة انقلاب القوميين السوريين. وهو شخص ترفضه الشعبة الثانية ورموزها. فكان الجواب الحاسم لفؤاد شهاب فليكن هو رئيس مجلس القضاء الأعلى. أنا أختاره لا الشعبة الثانية ولا رموزها.
وهكذا بقي القاضي أبو خير رئيسا لمجلس القضاء الأعلى حتى العام ١٩٧٧. وساهم في الكثير من القوانين الإصلاحية.
أما القصد من هذه الرواية فهو أن المحاولة الوحيدة لبناء الدولة كانت مع الجنرال فؤاد شهاب حيث قطع الإقطاع السياسي الطريق عليها وتحديدا “الإقطاع الماروني” الذي تمثّل بالحلف الثلاثي الذي وصف الرئيس بمحمد فؤاد شهاب.
واقع الأمر أن الخلل البنيوي هو في المجتمع السياسي الطوائفي اللبناني وهذا شأن يستحضر “الخارج الدولي” إلى الداخل اللبناني ويعطي الفرصة لكلام توم برّاك عن الربط “بين نهضة لبنان والحوار الاسرائيلي اللبناني المباشر”. ولعل هذه الحقيقة تحمل دلالات خاصة حول “الدور المركزي” المرتقب للمؤسسة العسكرية في بناء الدولة. ففؤاد شهاب مات فقيرا ولم يستخدم نفوذ السلطة للثراء. وهذه حال قائد الجيش العماد رودولف هيكل الذي لا ينتمي إلى طبقة الأثرياء في السلطة. إنما يبقى السؤال هل يستطيع العماد هيكل تكرار تجربة الجنرال فؤاد شهاب؟ وهل تتيح له مثل هذا الأمر السلطة السياسية الطوائفية؟
أسئلة تبقى من دون جواب. فالمسألة ترتبط بتوفّر السلم الأهلي وببروز “حركة وعي جديدة” وبالمسار الاقليمي والدولي المحيط بلبنان. وهو مسار متحكّم بالوضع وبما تؤول إليه التفاهمات الأميركية – الايرانية أو الخلافات. فبناء الدولة هو الذي يقطع الطريق على الحروب الأهلية المتكررة والتي تقطعها هدنات مؤقتة لا يتوفّر معها سلم أهلي طويل.
أيا يكن الأمر نحن أمام صناعة الرمز الشهابي الذي يجمع ولا يفرّق.
عبد الهادي محفوظ






