مفاوضات الجمعة… هل هي غطاء لإعادة ترتيب الحرب على محور المقاومة؟ بقلم يوسف أبو سامر موسى

بعد مرور وقت يكاد يكون طويل نسبياً ضمن عملية الحشد العسكري الامريكي والاستنفار الكبير في كافة القواعد الامريكية في الشرق الاوسط واستقدام معدات عسكرية متطورة سواء نقلت الى القواعد وتمركزت فيها او عبر التحشيد الهائل من الاسطول الامريكي بما يحتويه من آلة قتل وتدمير ناهيك عن استنفار الكيان الصهيوني المحرك الناشط و الفاعل لتوتير المنطقة والدفع بها للحرب خدمة لمصالحها وفي ظل الضخ الاعلامي الموجه ضد ايران وشيطنتها تجري مفاوضات الجمعة في مناخ مشحون بالتهديدات العسكرية والتصعيد السياسي، ما يثير شكوكاً جدية حول طبيعتها الحقيقية: هل نحن أمام مسار تفاوضي فعلي، أم مجرد إدارة وقت لإعادة ترتيب المواجهة مع محور المقاومة؟ المعلوم ان الولايات المتحدة تدخل المفاوضات بسقف مرتفع يتجاوز الملف النووي الإيراني، ليشمل البرنامج الصاروخي والدور الإقليمي ومحاولة فرض امر واقع ورسم خرائط جديدة للمنطقة وهو ما يعني عملياً استهداف البنية الاستراتيجية لمحور المقاومة من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وغزة، وفي المقابل تدخل ايران المفاوضات و ليس بالامر الجديد فطالما تحدّثت ايران عن استعدادها للمفاوضات بشرط مفاوضات متكافئة واحترام السيادة وعدم الاملاءات نجد ايران تتمسك بشرط واضح ووحيد هو التفاوض حصراً حول الملف النووي ورفع العقوبات وقد سبق التفاوض على ذلك وتم ابرام اتفاق سرعان ما تم الانقلاب عليه من قبل افسد فاسدين العصر ترمب و في المقابل تُشدد ايران عبر رئيس دبلوماسيتها و وزير الخارجية السيد عباس عراقجي رفض ادراج ملفات اخرى وعلى رأسها البرامج الصاروخي وعدم السماح بأي مساس بعناصر الردع.
في ظل هذا الاوضاع تسارع الاحداث والحرب النفسية والضغط الهائل يتم تسليط الضوء من جديد على قضية إبستين التي لا يمكن فصل إعادة نشرها عن الضغوط الداخلية من اليمين المسيحي والصهيوني على الرئيس الأميركي دونالد ترمب ولا عن الرسائل الإسرائيلية التي تدفع باتجاه عدم التخلي عن الخيار العسكري والتهديد بنشر ملفات موثقة بفيديوهات لا يمكن الا قرأتها خشية الكيان الصهيوني أن تؤدي أي تسوية إلى تعزيز موقع إيران ومحورها في المنطقة كما حدث عند توقيع الاتفاق النووي الإيراني، المعروف بـ خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) في 14 تموز/يوليو 2015، بين إيران ومجموعة (5+1) التي تضم الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين، بالإضافة إلى ألمانيا. والذي دخل حيز التنفيذ في بداية عام 2016، قبل أن ينسحب منه الرئيس دونالد ترمب في 8 مايو 2018.
المناورة العسكرية الأميركية – الإسرائيلية الأخيرة تحمل دلالات مباشرة لمحور المقاومة، نستطيع الجزم من خلالها ان المأزق الذي دخله ترمب مأزق كبير وحقيقي وهو بحاجة لوسيلة نزول عن الشجرة او فقدان هيبة امريكا وسطوتها ان انسحب دون مبرر او دخول حرب وفشله في تحقيق اهدافه لان القضية اكبر من امريكا و ايران لذا نرى هذه المناورة عبارة عن رسالة مفادها أن واشنطن وتل أبيب تفاوضان من موقع القوة، وأن ساحات لبنان وغزة والعراق واليمن تبقى حاضرة في حسابات أي تصعيد مقبل.
الأخطر في هذه المرحلة أن تتحول المفاوضات إلى أداة لشراء الوقت لان تاريخ ترمب واضح انه مراوغ مخادع لا يقيم وزناً لحسابات لو وعود اطلقها او للمجتمع الدولي ريثما يكتمل تحضير مسرح العمليات، مع محاولة تحميل إيران مسؤولية الفشل، وإظهار الإدارة الأميركية بمظهر الساعي لتجنب الحرب في حين تُدفع المنطقة نحو مواجهة واسعة قد تبدأ من إحدى ساحات المحور.
ما اود قوله ولفت النظر اليه أن مفاوضات الجمعة ليست منعزلة عن ملفات غزة ولبنان وباقي ساحات المقاومة، بل هي سلسلة متصلة محلياً واقليمياً و تشكّل جزءاً من صراع مفتوح على مستقبل المنطقة والسيطرة على مقدرات المنطقة، حيث تختبر واشنطن وتل أبيب حدود الردع، ويستعد محور المقاومة لكل الاحتمالات وبالمحصلة السؤال الاساسي الذي يجب ان يطرح ماذا اذا سقطت او صمدت ايران ومستقل المشاريع الامريكية وبالتحديد مشروع الشرق الاوسط الجديد؟.
يوسف أبو سامر موسى
باحث سياسي / فلسطين






