الأسرى الفلسطينيون بين تشريع الإعدام والإعدام الممنهج: جريمة مكتملة الأركان بقلم يوسف أبو سامر موسى

لم تعد قضية الأسرى الفلسطينيين محصورة في إطار الانتهاكات التقليدية التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بل دخلت مرحلة شديدة الخطورة مع تصاعد الحديث داخل المؤسسة الصهيونية عن تشريع عقوبة الإعدام بحق الأسرى في خطوة تعكس انحدارًا أخلاقيًا وقانونيًا غير مسبوق وتؤكد أن ما يجري ليس مجرد إجراءات أمنية بل مشروع قتل منظم برعاية الدولة.
إن تداول ما يُعرف بـمشروع إعدام الأسرى داخل الكنيست الإسرائيلي وما رافقه من تسريبات عن استعدادات مصلحة السجون الصهيونية لتنفيذ هذه العقوبة يكشف بوضوح نية الاحتلال نقل سياسات التنكيل والتجويع إلى مستوى الإعدام العلني والمقنن هذا التوجه لا يمكن فصله عن السياق العام للسياسات الصهيونية التي ترى في الأسير الفلسطيني هدفًا مشروعًا للتصفية سواء داخل الزنازين أو خارجها في سياسة واضحة لملاحقة الاسرى المحررين وتصفيتهم.
ومن منظور القانون الدولي الإنساني فإن هذه المشاريع تمثل انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة التي تنص بوضوح على حماية الأسرى وضمان كرامتهم الإنسانية وتحظر العقوبات القاسية واللاإنسانية فضلًا عن منع المحاكمات الصورية التي تفتقر إلى أدنى معايير العدالة، كما أن فرض عقوبة الإعدام على أسرى واقعين تحت الاحتلال يُعد جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
غير أن الأخطر من مشروع الإعدام ذاته، هو أن الإعدام الممنهج قائم فعليًا داخل السجون الصهيونية وإن لم يُعلن رسميًا فسياسات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير القائمة على حرمان الأسرى من الطعام الكافي ومنع النوم وفرض العزل الانفرادي وتقليص الرعاية الطبية ومنع زيارات الأهالي وصولًا إلى حظر اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الاطلاع على أوضاعهم تشكل أدوات قتل بطيء لا تقل خطورة عن حبل المشنقة.
إن تحويل السجون الصهيونية إلى بيئة قاتلة وتجريد الأسرى من أبسط حقوقهم الإنسانية ليس سوى سياسة إعدام تدريجي تهدف إلى كسر إرادتهم الجسدية والنفسية وتندرج ضمن جرائم التعذيب والمعاملة القاسية المحظورة دوليًا ولا يمكن النظر إلى هذه الإجراءات إلا بوصفها امتدادًا لعقيدة صهيونية ترى في الفلسطيني خطرًا يجب إزالته لا إنسانًا له حقوق.
وانطلاقا مما تقدم فان قضية الأسرى الفلسطينيين ليست ملفًا تفاوضيًا عابرًا ولا ورقة ضغط سياسية بل قضية إنسانية وأخلاقية تختبر مصداقية المجتمع الدولي الذي اصبح مشلولا نتيجة السياسات المتبعة من الادارة الامريكية بتغطية الجرائم الصهيونية، فالصمت على ما يجري داخل السجون الصهيونية أو الاكتفاء ببيانات القلق والتنديد يمنح الاحتلال ضوءًا أخضر للمضي قدمًا في جرائمه ويحوّل القانون الدولي إلى نصوص بلا قيمة.
إن المطلوب اليوم ليس فقط إدانة مشاريع الإعدام بل فضح الإعدام القائم بالفعل وتحميل الاحتلال وقيادته السياسية وعلى رأسهم بن غفير المسؤولية القانونية الكاملة عن الجرائم المرتكبة بحق الأسرى الفلسطينيين كما أن على المؤسسات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة التحرك الفوري لكسر جدار الصمت وفرض آليات رقابة حقيقية على السجون الصهيونية.
في المحصلة فإن أي تشريع لإعدام الأسرى وأي ممارسة تستهدف حياتهم وكرامتهم تشكل جريمة ضد الإنسانية وستبقى وصمة عار في سجل الاحتلال ودليلًا إضافيًا على أن هذا الكيان لا يحترم قانونًا ولا أخلاقًا وأن معركته مع الشعب الفلسطيني هي معركة وجود لا أمن.
✍️يوسف أبو سامر موسى باحث سياسي / فلسطين
الخميس 12شباط 2026







