ماذا يعرف عنهم أَولادُنا؟ بقلم الشاعر هنري زغيب

ماذا يعرف عنهم أَولادُنا؟
“نقطة على الحرف”
الحلقة 1760
“صوت كلّ لبنان”
الأَحد 25 كانون الثاني 2026
غابت هذا الأُسبوع الدكتورة ماري بشير، حاكمة ولاية “نيو ساوث ويلز” الأُسترالية (2001-2014)، سليلةُ والدَيْن من دُوما، زارتْها سنة 2004 ضمن برنامج تكريم نبيل، نظَّمَتْه لها الدكتورة سلوى الخليل الأَمين رئيسةُ “ديوان أَهل القَلَم”.
وقبل أَيام جاءَني من منصة إِلكترونية حديثٌ جديدٌ مع عالِـم الفضاء شارل عشي اللبناني المسؤُول الكبير في “الناسا” (وكالة الفضاء الأَميركية)، وأَعلنَ عن مشروعٍ لإِرسال رائدِ فضاءٍ إِلى المريخ. وهو أَيضًا زار لبنان وكرَّمه “ديوان أَهل القلم” (2006).
وأَمس وصلني حديثٌ للكاتب أَمين معلوف، اللبناني الأَمين العام لـ”الأَكاديميا الفرنسية”، تحدَّث فيه عن مشروع تُعدُّهُ “الأَكاديميا” لتحديث الفرنسية وجعلها سائِغةً للجيل الفرنكوفوني الجديد في العالم.
أُورِدُ هذه الثلاثةَ الأَسماء -وفي بالي سواها أَكثرُ بعد- لا للتعداد أَو للتذكير بها، ففي اللبنانيين مَن يعرفونها. وإِنما لأَتساءَل بحٌرقةٍ وغضب: ماذا يعرف عنهم أَولادُنا؟ واستطرادًا: تلامذةُ المدارس وطلَّابُ الجامعات ماذا يعرفون عن مبدعينا اللبنانيين في العالم؟
وكيف يعرفون عنهم وليس في معظم الكتب المدرسية نصٌّ واحدٌ عن أَحدٍ منهم؟
كيف يعرفون عنهم إِن لم يبادرْ في الهيئات التعليمية مَن يأْخذُ نصًّا عن مبدع لبناني عالَمي، يشرحُهُ للتلامذة كي يَعُوا أَيَّ عباقرةٍ أَعطى العالمَ لبنانُهم الذي لا يعرفون عنه إِلَّا ما يَرَونه ويسمعُونه من مشاحناتِ سياسييه وتصاريحهم ومناكفاتهم، وهي أَبشَعُ صورةٍ عن لبنان في العالم، بينما في أَربعة أَقطار الدنيا إِبداعاتُ لبنانيين لا يعرفُ عنهم أَولادُنا حرفًا ولا اسمًا واحدًا؟
ماذا يعرف أَولادنا عن حسَن كامل الصباح، ابن النبطية الذي اكتشف مفتاح البث التلفزيوني واستندَت إِليه شركة جنرال إِلكتريك في نيويورك؟
ماذا يعرف أَولادُنا عن مايكل دبغي، ابن مرجعيون الذي كان أَوَّلَ مَن أَجرى عمليةَ القلب المفتوح في هيوستن تكساس؟
ماذا يعرفون عن شارل مالك، ابن بُطرَّام الذي ساهم في إِعداد شرعة حقوق الإِنسان وإِعلانها في الأُمم المتحدة؟
ماذا يعرفون عن داني توماس اللبناني الذي نجح في الفن وأَسس “سانت جود” أَكبر مركز لمعالجة سرطان الأَطفال في العالم؟
ماذا يعرفون عن ماري بشير وشارل عشي وفيليب سالم وأَمين معلوف وجورج شحادة وشكري غانم، وكوكبةٍ لا تُحصى من أَعلامٍ لبنانيين في العالَم، حيثما حلُّوا نَصَّعوا اسم لبنان بآثارهم واكتشافاتهم وأَعمالهم الفريدة؟
ماذا في معظم الكتُب المدرسية عندنا غيرُ نصوص جافة صعبة يابسة تُنفِّر الأَولاد من الصف وتهجِّرهم من لغتهم الأُم؟
مهمٌّ أَن يقرأَ أَولادُنا نُصوصًا عن القرية اللبنانية و”ستي الختيارة” وعادات وتقاليد غابت ولن يرَوها، إِنما أَلَّا تكون لتلامذةٍ صغارٍ يَسْتهجنونها ويستَصعبونها ويَنفُرون منها ومن المعلِّمة ومن الصف ومن اللغة؟
إِن بين مناهجنا التعليمية في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة تفاهةَ نُصوصٍ وسخافةَ تمارينَ وعُقمَ مخيلةٍ لا تُنَمِّي أَولادَنا على حُب ما يدرسون. ورأْسُ ما عليهم تعلُّمُه ودرسُه وحفْظُه وحبُّه: وعيُهم عباقرتَنا اللبنانيين في العالم، كي يغذُّوا مخيلَتَهم الطرية فيكبُروا بهم ويكبَروا على سيرتهم، ويحلُموا أَن يتشبَّهوا بهم، ويعُوا أَنهم من وطنٍ عظيمٍ صدَّر الحضارة والعلْم والإِبداع. وما سوى هكذا يَنْمُون بكِبَر، مبتَعدين عن الاصطفاف وراءَ طبقةٍ سياسيةٍ تحكُمُهُم، وهي بين أَسوإِ طبقاتِ الوُصولية والفساد في العالم.
هـنـري زغـيـب






