: أمريكا والرقص على حافة الهاوية: محاولة إخضاع العالم بين شلل القوة واحتمالات الانفجار بقلم يوسف أبو سامر موسى

في لحظة دولية شديدة التعقيد، تبدو الولايات المتحدة وكأنها ترقص على حافة الهاوية، مستعرضة قوة عسكرية هائلة، لكنها مترددة في حسم خيار استخدامها. هذا التناقض بين امتلاك القوة وعدم القدرة أو الجرأة على توظيفها يطرح سؤالًا مركزيًا: هل نحن أمام بداية حرب كبرى تعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة والعالم، أم أمام حالة شلل استراتيجي تعكس تراجع القدرة الأمريكية على فرض إرادتها كما في السابق؟
المشهد الميداني لا يخفى على أحد. استعدادات أمريكية متسارعة، تكديس للقوة الزائدة، حاملات طائرات في المحيط الهندي، قاذفات استراتيجية تنطلق من القواعد الأمريكية، ورسائل نارية موجهة لإيران وحلفائها. في المقابل، تقف إيران على الضفة الأخرى من المعادلة، وهي ترفع سقف الجهوزية تحت عنوان وجودي واضح: إما أن نكون أو لا نكون. هذا الشعار ليس مجرد خطاب تعبوي، بل يعكس قناعة راسخة لدى طهران بأن أي مواجهة مقبلة لن تكون محدودة أو تقليدية، بل مواجهة استراتيجية مفتوحة ستحدد مسار المنطقة الجيوسياسي لعقود مقبلة.
الولايات المتحدة، التي اعتادت استخدام القوة لفرض الوقائع، تواجه اليوم معضلة حقيقية. فالحرب على إيران ليست نزهة عسكرية، ولا تشبه حروبها السابقة في أفغانستان أو العراق. إيران ليست دولة معزولة، بل محور إقليمي يمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء وغزة. أي ضربة عسكرية لن تبقى ضمن الجغرافيا الإيرانية، بل ستشعل ساحات متعددة، وتفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.
في قلب هذا المشهد يقف الكيان الصهيوني، الداعم والمحرّض الأساسي لأي هجوم على إيران، لكنه في الوقت ذاته الأكثر خوفًا من مفاعيل هذه الحرب. التصريحات الإسرائيلية التي تتحدث عن ضرورة “تغيير النظام في إيران” تكشف حجم الرهان والمغامرة، لكنها تخفي قلقًا وجوديًا عميقًا. فإسرائيل تدرك أن مفهوم الحرب القادمة لن يكون بالشكل والحجم المعتادين، وأن الجبهة الداخلية ستكون هدفًا مباشرًا، مع ما يحمله ذلك من خسائر مادية واقتصادية، تدمير للبنية التحتية، وخسائر بشرية غير مسبوقة.
أما السيناريو الأوسع، فيرتبط بدور حلفاء إيران في حال اندلاع الحرب. فمحور المقاومة، الذي أعلن مرارًا جهوزيته، لن يقف متفرجًا. حزب الله في لبنان، فصائل المقاومة في فلسطين، العراق واليمن، جميعها تمتلك أوراق قوة قادرة على تحويل أي عدوان إلى حرب استنزاف شاملة. هذه المعادلة تجعل القرار الأمريكي بالغ الصعوبة: فالاستخدام المباشر للقوة قد يفجّر المنطقة، والامتناع عن استخدامها يعمّق صورة التراجع وفقدان الهيبة.
من هنا، يمكن القول إن العالم يقف عند مفترق طرق خطير. إما انزلاق نحو مواجهة كبرى تعيد تشكيل النظام الدولي، أو استمرار حالة الردع المتبادل والشلل الاستراتيجي، حيث تملك القوى الكبرى أدوات التدمير لكنها تخشى نتائج استخدامها. في كلتا الحالتين، لم يعد الشرق الأوسط ساحة هامشية، بل بات قلب الصراع العالمي على النفوذ، والقرار، ومستقبل النظام الدولي.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد صراع بين أمريكا وإيران، بل صراع على من يرسم سياسات العالم القادم: عالم القطب الواحد الذي تحاول واشنطن إنعاشه بالقوة، أم عالم متعدد الأقطاب تفرضه موازين جديدة على الأرض. وفي هذا الصراع، يبدو أن الرقص على حافة الهاوية قد يستمر… لكن خطوة واحدة خاطئة كفيلة بإسقاط الجميع في المجهول.
الثلاثاء 20 كانون ثاني 2026 يوسف أبو سامر … باحث سياسي / فلسطين






