بأقلامنا

السيادة بين النص القانوني والواقع السياسي: العالم العربي في مواجهة الصراع العربي–الإسرائيلي والنظام الدولي الجديد. بقلم يوسف ابو سامر موسى

السيادة بين النص القانوني والواقع السياسي: العالم العربي في مواجهة الصراع العربي–الإسرائيلي والنظام الدولي الجديد.

✍️ يوسف ابو سامر موسى

تُعدّ السيادة أحد الركائز الأساسية في بناء الدولة الحديثة، وهي المفهوم الذي يفترض أن يمنح الشعوب حقها الطبيعي في تقرير مصيرها، وإدارة شؤونها الداخلية والخارجية دون وصاية أو إملاءات. غير أن هذا المفهوم، ورغم رسوخه في القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة، يبدو في العالم العربي مفهومًا إشكاليًا، يتأرجح بين النصوص الدستورية والواقع السياسي المختل، خصوصًا في ظل الصراع العربي–الإسرائيلي والتحولات العميقة في بنية النظام الدولي.
السيادة: تعريف نظري وواقع متغير
تعني السيادة، في جوهرها، امتلاك الدولة سلطة عليا على إقليمها وشعبها، واحتكارها لقرار الحرب والسلم، والتشريع، والعلاقات الخارجية. لكن هذه السيادة لم تعد مطلقة كما كانت في المفهوم الكلاسيكي، إذ باتت اليوم خاضعة لمعادلات القوة، والاقتصاد، والتحالفات الدولية، فضلًا عن أدوات الهيمنة الحديثة كالعقوبات والضغط السياسي والتدخل غير المباشر.
العالم العربي: سيادة منقوصة أم مُصادَرة؟
في العديد من الدول العربية، تحوّلت السيادة من ممارسة فعلية إلى شعار سياسي يُرفع عند الأزمات. ففي لبنان، على سبيل المثال، تتآكل السيادة نتيجة تعدد مراكز القرار، والتدخلات الخارجية، وارتهان الاقتصاد لمؤسسات دولية تفرض شروطها مقابل المساعدات. أما في سوريا، فقد أدت الحرب الطويلة وتعدد القوى الأجنبية على الأرض إلى تشظي السيطرة الجغرافية، ما جعل السيادة قائمة شكليًا، لكنها مقيدة فعليًا بتوازنات إقليمية ودولية.
أما فلسطين، فهي النموذج الأوضح لاغتصاب السيادة، إذ لا يمكن الحديث عن سيادة في ظل احتلال يتحكم بالأرض والحدود والمياه والمجال الجوي، ويفرض وقائع استعمارية بقوة السلاح، وسط صمت دولي أو انحياز فاضح لصالح الاحتلال الإسرائيلي.
الصراع العربي–الإسرائيلي: جوهر أزمة السيادة
لا يمكن فصل أزمة السيادة في العالم العربي عن الصراع العربي–الإسرائيلي. فهذا الصراع لم يكن يومًا صراع حدود فقط، بل كان وما زال صراعًا على القرار والسيادة والهوية. فالكيان الصهيوني، بدعم غربي مباشر، لم يكتفِ باغتصاب الأرض الفلسطينية، بل عمل على إضعاف الدول العربية المحيطة، وإبقائها في حالة عدم استقرار دائم، بما يضمن تفوقه العسكري والسياسي.
وقد شكّل الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل عاملًا حاسمًا في اختلال ميزان السيادة، حيث تُنتهك القوانين الدولية بشكل صارخ، من الاستيطان إلى الحصار والعدوان، دون مساءلة حقيقية، ما يفضح ازدواجية المعايير في النظام الدولي.
النظام الدولي الجديد: سيادة الأقوياء فقط
في ظل التحولات الراهنة، يتجه النظام الدولي نحو منطق المصالح والقوة، لا المبادئ والقانون. فالدول الكبرى تمارس سيادتها كاملة، بل تتجاوز سيادة الآخرين، بينما تُفرض على الدول الضعيفة التزامات قسرية تحت عناوين براقة كـ«الشرعية الدولية» أو «حفظ الاستقرار».
وهنا تصبح السيادة في العالم العربي رهينة:
الانقسام الداخلي
التبعية الاقتصادية
غياب المشروع الوطني الجامع
ضعف القدرة على الردع.
أخيراً: إن السيادة ليست نصًا يُكتب في الدساتير، بل ممارسة تُنتزع وتُحمى. وفي العالم العربي، لا سيما في فلسطين ولبنان وسوريا، تبقى السيادة إما منقوصة أو مغتصبة، ما لم يُستعاد القرار الوطني المستقل، وتُبنى وحدة داخلية صلبة، ويُعاد تعريف العلاقة مع النظام الدولي من موقع الندية لا التبعية.
لا سيادة حقيقية بلا تحرر من الاحتلال، ولا تحرر بلا وعي سياسي، ولا وعي بلا مشروع عربي يعيد الاعتبار للإنسان والأرض والقرار.

✍️ يوسف ابو سامر موسى
16- كانون الثاني- 2026

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى