أخبار صور و الجنوب

مؤتمر”الاسرة في ضوء رسالة الحقوق للامام زين العابدين” في المجلس الشيعي: كلمات ومحاضرات وتوصيات

 

تحول مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على طريق المطار اليوم إلى “خلية نحل” تعج بالمحاضرين والمشاركين في المؤتمر الذي نظمه “اللقاء التنسيقي لصون الاسرة والقيم في المجلس الشيعي” تحت عنوان ” الاسرة في ضوء رسالة الحقوق للامام زين العابدين ع وتحديات الغزو الثقافي” ،وذلك برعاية العتبة الحسينية المقدسة.

جلسة الإفتتاح عقدت في التاسعة والنصف صباحا، بحضور نائب رئيس المجلس الشيعي العلامة الشيخ علي الخطيب ووفد العتبة الحسينية ممثلاً بالدكتور صباح الجبوري والشيخ قاسم المصري والسيد هاني سعد، وممثل  مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان الشيخ د. محمود مسلماني، ممثل شيخ عقل الموحدين الدروز الشيخ د. سامي ابي المنى القاضي الشيخ دانيال سعيد، ممثل رئيس المجلس العلوي الشيخ علي قدور الشيخ احمد عاصي، العميد مصطفى كرنيب ممثلا وزير الداخلية احمد الحجار، السيدة نور الهاشمي نائب رئيس البعثة العراقية في لبنان، الاب جورج ديماس ممثلا المطران الياس عودة،  الوزير السابق د. حمد حسن، النائبين السابقين: د.عبد الله قصير ومحمد البرحاوي، المحامي رمزي دسوم ممثلا التيار الوطني الحر، د. علي غريب ممثلا حزب الراية الوطنية، المقدم زين العابدين دياب ممثلا مدير عام الامن العام اللواء حسن شقير، مهدي مصطفى ممثلا الحزب العربي الديمقراطي، السيد صدر الدين الصدر ،مديرة المكتب التربوي للبحوث والانماء البروفيسورة هيام إسحاق، مدير عام مؤسسات امل التربوية د. بلال زين الدين، المحامي د. علي عطايا ممثلا نقيب المحامين عماد مارتينوس، الشيخ علي سنان ممثلا جمعية التعليم الديني الإسلامي، خضر الاغا ممثلا جمعية الإصلاح والإرشاد، السيدة مليحة الصدر، د. احمد حوماني ممثلا مدير عام تلفزيون المنار إبراهيم فرحات، وحشد كبير من عمداء وأساتذة الجامعات وعلماء الدين، والشخصيات التربوية والاجتماعية والثقافية والإعلامية ومهتمين.

 

وبعد تلاوة آي من الذكر الحكيم للقارئ احمد المقداد والنشيد الوطني اللبناني، قدّم للحفل البروفيسور عبّاس زناتي الذي قال في كلمته: من هنا، من بين أفنان المداد، وأعمدة الضوء والفكر و المقاومة والجهاد، من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، وبرعاية مباركة من العتبة الحسينيّة المقدسة في العراق، ندخل محراب إمام من أئمتنا لنبحث في مؤتمر موسوم ب( الأسرة في ضوء رسالة الحقوق للإمام زين العابدين وتحديات الغزو الثقافيّ)،تلك الرسالة التي سطّرها الإمام بذهب الكلمات، فجاءت كالمزن تحيي يباب القيم وكالفجر يبدد ليل الغفلة والعدم..فهي ليست من صنع الفكر وحده، بل هي من وجدان تربّى في مدرسة النبوة والإمامة.

كلمة حجازي

والقى رئيس اللقاء التنسيقي الشيخ د. محمد حجازي كلمة قال فيها: يتّجه العالم الإنساني المعاصر بكافة شرائحه الإجتماعيّة وتصنيفاته الإقتصادية نحو أزمة التفريغ المعنوي والتحول في بعض مناحيه إلى ما يشبه الآلة ال Robot. ويقترب من مراجعات فكريّة حول المباني القيميّة تستدعي النباهة والإستعداد العلمي والأخلاقي، فبدل أن يهيمن الإنسان على المادة فإن المادة بمختلف صورها آخذة بالتحكم بالقيم الإنسانية.

اضاف: لذلك فإن أبرز وأخطر ما تعانيه المجتمعات الحديثة هي “أزمة المعنى” المصطلح عليها بـ crises of meaning  والتي ربطها بعض الباحثين بإنهيار القيم إذ يعود ذلك إلى العديد من الأسباب أذكر أهمها:

1- ضعف الروابط الإجتماعية وغياب التقدير الإنساني والتحول إلى العلاقات المرّمزة الخالية من المشاعر.

2- السير نحو التفكك الأسري واستبدال السلطة الأبوية بالإجراءات القانونية ومؤسسات الدولة بشكل غير متوازن.

3- تشكيل بيئة عالمية للعزلة الرقمية والإتجاه في بعض السلوكيات نحو الإنطوائية. حيث يوجد بأيدي الناس أكثر من 7 مليار جهاز هاتفي.

4- تضخم مؤشرات الكآبة والإنتحار والإدمان والجرائم الإلكترونية حيث ذكرت بعض الدراسات أن ثمة حوالي 4.9% من المراهقين (بين10 سنوات إلى  12سنة) يعانون من اضطرابات القلق عالمياً. وفي هذا السياق دعا العالم النفسي الكندي John vervaeke   إلى الصحوة من أزمة المعنى – عالم آلي بلا أهداف – التي تساهم في انهيار القيم وزيادة نسب الإضطرابات الشخصية وله سلسلة محاضرات تحت عنوان: Awaking from the meaning crises.

5- زيادة نسب الإضطرابات الشخصية عند الشباب والتي تحدّث عنها الإمام الصدر في السبعينات: فالحضارة الحديثة حاولت عزلَ الله عن التأثير في الحياة . وأن الاستناد الى كل ما هو مصنوع هو متطور ومتكامل وبالتالي هو متزلزل لذلك يبقى الإنسان قلقا.

6- تراجع مفاهيم التطوع والمبادرات الشخصية أو تعزيز المساهمات الإنسانية واعطاء صورة مهتزّة عن العلاقات الإجتماعية في بعض جزئياتها كضعف الثقة وغير ذلك.

7- فقدان السيطرة على مراقبة الإعلام والتأقلم مع ثقافة الإخلال بالآداب العامة، وزيادة نسبة القتل الجماعي وغير ذلك.

وقال: في خضم هذه الظواهر والتحولات المقلقة تبقى الأسرة بأبعادها التأسيسيّة بنكاً للقيم، فإذا خسر المجتمع من بعض أرصدته الأخلاقية فإن الأسرة الإنسانية الصالحة هي الضامن الأساسي لتدارك العملية الإصلاحية، ولا يجوز التهاون بمفاعيلها التي يعدُ اهمالها خطراً على الأمة برمتها.

 

من هنا، نستحضر اليوم في مؤتمرنا الأول فكراً حقوقياً أرساه أحد أئمة أهل بيت رسول الله (ص) وهو الإمام زين العابدين (ع)، وذلك في رسالة غراء تقارب الخمسين حقاً من الحقوق والتي تحدث فيها عن حق الأب والأم والزوجة والأولاد وغيرهم، وقد عبّر إمامنا (عليه السلام) عن مواجهته للمفاسد العامة بطرح الأطر القانونية والحقوقية صيانة لهذه القيمة الوجودية التي لا يضاهيها شيء في العالم. لذا فإن الأزمات والتحديات التي ذكرنا بعضاً منها لا يمكن فهمها والعمل على اصلاحها إلا من خلال اعتماد مرجعية أصيلة كرسالة الحقوق للإمام زين العابدين (ع) والتي تشكل مشروعاً اصلاحياً متكاملاً بين الأسرة الإنسانية والمؤسسات التعليمية والدينية.

 

إن دور اللقاء التنسيقي لصون الأسرة والقيم في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى والذي تأسس عام 2023 برعاية سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب، انبثق من خلال هذه الرؤى الحقوقية للبحث عن مشتركات قيمية بين أبناء المجتمع الواحد والوطن الواحد. فالقيمة الفريدة التي يتمتع بها وطننا لبنان هو المشتركات الدينية والتنوع الثقافي الذي يرفد العالم بأسره بدروس الانصهار والتعايش الانساني بأعلى وأسمى معانيه ولهذا أكد الإمام موسى الصدر على التمسك بهذه القيم وعدم التفريط بها. ومما قاله: “إن التعايش بين اديانه المختلفة أمانة عالمية في اعناق اللبنانيين وانه اذا سقطت تجربة لبنان فسوف تظلم التجربة الإنسانية وان استمرار الدولة الواحدة الكونية مرتبط ومتاثر الى حد كبير بنجاح صيغة لبنان التعايشية”.

وفي الوقت ذاته، يأتي دور العتبة الحسينية المقدسة في كافة المجالات وخصوصاً في المجال الثقافي والديني والتعليمي ليؤكد على أن هذه المؤسسة العالمية وأمثالها تحرص على إظهار فكر الإسلام الأصيل المليء بالمعاني القيمية والإنسانية.

وعليه، لا يسعنا إلا أن نقدم الشكر لهذه الرعاية، وللحضور الكريم جميعاً، ولفريق العمل أعضاء اللقاء التنسيقي الذي عمل على مدى أشهر لإنجاح هذا الجهد المبارك.

وسيبقى لبنان ان شاء الله بأدمغة أبنائه العلمية وتضحياتهم ودماء شهدائه معلماً من معالم الحضارة الإنسانية والأصالة الدينية.

كلمة الجبوري

والقى ممثل العتبة الحسينية الدكتور الجبوري كلمة استهلها بالقول: ابتداء نقول لكل إنسان رؤية وهذه الرؤية تتجلّى في كون الإنسان ينظر إلى هذه الموجودات الكونية ويحكّم عقله ويستنير بإيمانه وعقيدته ليخرج بنظرية صحيحة، هذه النظرية هي التي تتفق مع العقل والمنطق والأمل والهدف والطموح، ولا شك ولا عبث ولا هوىً فيها، ولدينا في الإسلام هوية وهذه الهوية تنطلق من توحيد الخالق وتنتهي بتوحيد الخالق بدلالة قوله تعالى :بسم الله الرحمن الرحيم (إنا لله وإنا إليه راجعون)، وببساطة هذه الآية الكريمة تقودنا إلى أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق وهو المالك وهو المشرّع ونسترشد بأن الإنسان خليفة في هذه الأرض، كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم (إني جاعل في الأرض خليفة)، كذلك التكريم الإلهي للإنسان غير محدود، كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير من خلقنا تفضيلا)، وكما تعلمون بأن هذه الكرامة تعني حيازة الشرف والعزة في هذه الدنيا للإنسان، وهي كرامة تفاضلية وتفضيلية، فكرم الله سبحانه وتعالى الإنسان بالعقل والمنطق وحسن الخلق وتسخير الأشياء لخدمته ليجعله خليفة في هذه الأرض، والرسالة الإسلامية ابتداءً من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إنتهاءً بالأئمة الأطهار يذكر في أول دستور إلى هذا التكريم الإلهي في وثيقة المدينة وهي التي تدوّن على عبقرية الرسول وأيضاً عند أمير المؤمنين عهده لمالك الأشتر عندما ولاه حكم مصر (واشعر قلبك الرحمة الرعية واللطف بهم ولا تكن عليهم سبعاً ضارياً فإنهم صنفان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)، أما إمامنا الإمام زين العابدين وهو الإمام المظلوم الذي عانى من المرض وشاهد مأساة كربلاء حيث شاهد مصرع أبيه وأصحاب أبيه في واقعة الطف الأليمة ولا يمتلك سوى الدعاء، فذكر في رسالته الشريفة التي امتدت أكثر من 13 قرنا، وضّح فيها الكثير من الحقوق كما سبقني سماحة الشيخ، وذكر أكثر من خمسين حقاً، وأسس دستوراً يعزز الهوية الإسلامية ابتداءً من ذكر حقوق الله سبحانه وتعالى كما قال (فاعلم ان لله عليك حقوقاً محيطة بك في كل حركة حركتها أو سكنة سكنتها) وينطلق إلى حقوق النفس فيذكر حقوق الأفعال والجوارح، ثم ينتقل إلى حقوق الآخرين، وفي معرض مؤتمرنا هذا يذكر في حقوق الأسرة “حقوق الرحم” فيقول:  فأوجبها عليك حق أمك ثم حق أبيك ثم حق ابنك ثم حق أخيك ثم الأولى فالأولى فالأقرب فالأقرب.

هذه الرسالة السماوية الإسلامية لم تأت  من فراغ، وإنما جاءت بدستور ثابت وهو القرآن والسنة النبوية الشريفة وسيرة أهل البيت عليهم السلام، كلها تؤكد على حقوق الله وحقوق النفس وحقوق الآخرين. واليوم في مؤتمرنا هذا تبارك العتبة الحسينية المقدسة هكذا مؤتمرات وتدعو إلى تعزيزها من خلال تعزيز القيم الإسلامية والقيم الأسرية لمواجهة خطورة وآفة الظواهر السلبية، وهذه الظواهر لو تمعّنا النظر فيها نرى أنها لا تنسجم مع العقل والمنطق والأمل والهدف والطموح، وهي أساس هش لا يستقيم معه بناء، فلماذا نعرض أسرتنا وأبناءنا وهويتنا وإخواننا إلى هذه الظواهر لتفسد القيم والمبادئ التي كرم الله سبحانه وبه الإنسان وهي كثيرة، وندعو إلى القيام بحلقات نقاشية ومؤتمرات وورش وندوات لبيان الخط الصحيح والفكر الصحيح الذي ينتمي إلى بناء الأسرة من خلال تعزيز قيمة القدوة وتعزيز قيمة الأب وتعزيز قيمة الأم وهذه الأسرة  الشريفة والابتعاد عن كل ما هو يفسد هذه البنية الأساسية التي دعا الإسلام إلى الحفاظ عليها وصونها، وأخراً حتى لا أطيل عليكم أنقل لكم تحيات سماحة المتولي الشرعي للعتبة الحسينية المقدسة وأبلغكم سلامه لكم جميعاً ويدعو لكم بالتوفيق والسداد.

كلمة الخطيب

والقى العلامة الخطيب كلمة قال فيها:

 

السلام عليكم أيها الاخوة والاخوات الاعزاء مؤتمرين ومشاركين كراما في هذا المؤتمر المهم في توقيته وموضوعه، من قلب المعاناة، ومن قلب المواجهة، ونحن نعيش العدوان الإسرائيلي الصهيوني أداة للصهيونية العالمية الذي من أهم أحداثه هو ضرب قيم مجتمعنا التي تشكل الأساس الأهم في مواجهة الظلم والعدوان، هذه القوة التي تتمتع بها مجتمعنا في مواجهة لعله ليس له مثيل في العصر الحاضر، مستندةً إلى هذه القيم إلى هذه الثقافة إلى هذا الاجتماع المتراص الذي يحتضن بعضه بعضاً لمواجهة قيم هذا المجتمع وللمحافظة على وحدة الصف اللبناني الإيماني، الإسلامي المسيحي الذي يحاولون فصل بعضه عن البعض الأخر، وجعله قبائل متناحرة لإعطاء صورة مشوّهة عن اجتماعنا العربي والإسلامي.

في مواجهة ذلك كله، يُعقَد هذا المؤتمر  استمراراً للمواجهة العسكرية إلى المواجهة الثقافية التي هي كما ذكرت الركيزة الأساس في المواجهة، شاكراً الإخوة في اللقاء التنسيقي لصون القيم والأسرة في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى جهدهم الذي بادرنا لتأسيسه شعوراً منا بأهمية هذه المسألة، كما دعونا للقاء الوطني لصون الأسرة على صعيد الوطن وعلى الصعيد اللبناني، وعقد أول مؤتمر في الأونيسكو كما تذكرون الذي أعطى الصورة الحقيقية للمجتمع اللبناني المتمسك بقيمه، والذي حاول بعض الإعلام أن يضخمه أو يضخم بالدعاية الى اللاقيم والشذوذ والانحراف وأنها صورة المجتمع اللبناني الحديث، فكان الأمر على العكس، فافُتضح هذا النهج ووقف عند حده الى حد ما.

اليوم عبر اللقاء التنسيقي لصون القيم والاسرة في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى يتابع هذا النشاط وغيره من النشاطات للكفاءات اللبنانية في سائر المجالات، ليجعل من هذا المجلس عملية مستمرة لإعطاء النخب اللبنانية اللبنانية وليس الشيعية، الشيعة جزء من هذا المجتمع اللبناني  بكل تنوعاته، الإسلام للإنسان بكل تنوعات اللبنانيين، يأتي هذا اللقاء اليوم ضمن هذا الإطار وضمن هذا التوجه، وأعيد شاكراً للإخوة في اللقاء التنسيقي لصون القيم والأسرة في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى جهدهم للإعداد لهذا المؤتمر المهم، والأهم أنه برعاية من العتبة الحسينية المشرفة كجهة من الجهات المرتبطة بالمرجعية الدينية العليا التي مثّلها سماحة الإمام آية الله العظمى المرجع السيستاني، الصورة المشرقة التي رآها العالم كله في كيفية تعامله مع المكونات في العراق، حيث احتضن كل المظلومين الذين تعرضوا للقتل والعدوان من جميع الطوائف، وكان تعبيره عن إخواننا وعن أهلنا السنة حينما سئل عنهم قال “ليسوا إخوة هم أنفسنا”، كما احتضن الإيزيديين والمسيحيين في كربلاء وفي النجف وفي كل مكان، وقدّم لهم ما أمكن من المساعدات ودعا إلى مواجهة الإرهاب التكفيري، ودعا إلى مواجهتهم فكرياً وعملياً حينما شكلوا تهديداً للمكونات العراقية وللمجتمع العربي العراقي الإسلامي والمسيحي، وكان خلاص العراق بهذه الفتوى من سماحة هذا الإمام حفظه الله وأطال الله عمره الشريف.

إذاً هذا المؤتمر وبرعاية منه عبر العتبة الحسينية المشرفة خدمة لمجتمعنا وأسرنا وأجيالنا المؤمنة على هدي كتاب ربنا وتعاليم دين نبينا وأئمتنا.

أيها الاخوة، قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. التحريم 6.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما بنُيَ بناء في الإسلام أحبّ إلى الله عزوجل من التزويج.

فالآية الكريمة ناظرة إلى أهمية التربية الحسنة وتحويلها الى عادات وسلوكيات وثقافة للمجتمع تنتقل بين الأجيال بالتعليم والتربية وبقوة القدوة وحصانة الإجتماع، بتوفير البيئة الصالحة لأبنائنا وثقافة الحكم الشرعي عبر الارتباط بالمرجعية الدينية واتّباع إرشاداتها في اختيار الزوجة الصالحة أولاً، والإلتزام الدقيق بما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه لتكون الأسرة بابا من أبواب الجنان لا مصنعا لوقود النيران.

والحديث الشريف يُقدّم بناء الزواج على كافة ما بُنيَ في الإسلام ومنها المساجد لأنه البناء الذي يوفّر الأرضية لمجتمعٍ صالحٍ الذي تُشكّل فيه الاسرة الصالحة نواة المجتمع الصالح، وتُخرّج الأجيال التي تعمر بها مساجد الله وتحيى بها شريعة الله في الأرض.

فمن الأسرة إلى المدرسة إلى المجتمع  لتتكامل الجهود ليكون الأساس سليماً وتكون الثمار طيبة والمستقبل بناء متواصلا لشبكات العلاقات القائمة على القيم التي تجعل من المجتمع الإسلامي جسداً واحداً.

الحضور الكريم، إنّ هذا المؤتمر الذي ينطلق من صحيفة الحقوق للإمام السجاد عليه السلام، ليواجه تحديات الغزو الثقافي والتغريب والقوة الناعمة يتصدّى في الحقيقة لجبهة حيوية نُحصّن فيها أبناءنا إعداداً لهم في مواجهة ثقافية وتربوية مصيرية قبل حصولها تكون فيه أجيالنا مصيدة للغزو الثقافي والانحراف السلوكي، وهو ما ابتُليت فيه الاجيال من أبنائنا في العصور المتأخرة في مواجهة غير متكافئة لا من حيث قوة الثقافة الاسلامية وإنّما من حيث الاعداد وتخلف الوسائل الحاضرة، فالغفلة عمّا يحصل من مسخ للإنسان وتشويه لمفهوم حقوق الإنسان، والتلاعب بالمفاهيم عبر صناعة مصطلحات “النوع الإجتماعي” (أو الجندر)، تمهيداً لتشريع الشذوذ وإشاعة الفاحشة، وصولاً لتمزيق الاسرة والاستفراد بالأجيال… كل هذه المشاريع التي انطلقت مع بدايات الإستعمار أصبحت اليوم خططاً موجهة وممولة ووثائق “حقوق مشبوهة” يتم إملاؤها على الدول والشعوب لتحظى بشرف الحصول على فتات المساعدات الإجتماعية من المنظمات المكلفة بتنفيذ هذه الأجندة.

الأمر خطير بالفعل ويزداد خطورة عندما نستحضر دور شبكات التكنولوجيا ومنصات التواصل في تلقين أبنائنا هذه المفاهيم وغيرها في غفلة من الزمن وغياب الوعي عما يخطط لمستقبل هؤلاء والتخلف في ايجاد وسائل الرقابة الأبوية.. والاجتماعية واستباق الزمن عبر وجود مراكز بحثية تستشرف المستقبل وما يعدّه الاخرون في هذا المجال لاختطاف أبنائنا وتحويلهم الى أدوات رخيصة  تنشر الفساد والفوضى وتعبث بالمصير تقوّض بذلك اجتماعنا وتجعله أسيراً لمخططات أعدائنا.

 

أمام هذا الواقع الذي تعيشه اجيالنا فعلاً ليس لدينا ترف الوقت والانتظار، فنحن في قلب الخطر بل مجتمعنا على شفير الهاوية ،وقد تأخرنا كثيراً في إيجاد سبل المعالجة، ولكن لم يفت الوقت اذا ما عملنا بجدية ونشاط لننقذ ما يمكن انقاذه بالعمل النشط المرتكز على الإسلام الاصيل كما تُقدّمه مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ولذلك لا يسعني إلا أن أبارك لكم مرة اخرى جهودكم هذه وأشكر لكل من قدَّم جهداً بتنظيم هذا المؤتمر وساهم في إنجاحه، وخصوصاً الإخوة في العتبة الحسينية المشرفة واللقاء التنسيقي لصون الأسرة والقيم في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى مع إخواننا العاملين في المجلس  والمحاضرين والحضور الكريم .

وأسأل الله لكم التوفيق والسداد على أمل تواصل هذه الجهود المباركة: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾

الجلسات

وتناول برنامج المؤتمر عدة محاور وفق الاتي:

المحور الأول: القيم الأسرية في نصوص رسالة الحقوق

مديرة الجلسة الأستاذة سوزان شعيتو

المحاضرة الأولى: ” قراءة تحليلية للحقوق الأسرية في رسالة الإمام زين العابدين (ع)” – سماحة الشيخ الدكتور محمد حجازي

المحاضرة الثانية: “مسؤولية الأبوين وفق رؤية الإمام (ع) – الدكتور طلال عتريسي

المحاضرة الثالثة: “القيم الوقائية لحماية الأسرة” – الدكتورة بتول نور الدين

المحور الثاني: الغزو الثقافي وأثره على الأسرة

مدير الجلسة: الدكتور عباس كنعان

المحاضرة الأولى: “تطور أساليب الغزو الثقافي تجاه الأسرة” – الدكتور جهاد سعد

المحاضرة الثانية: “دور الإعلام في إختراق المنظومة القيمية للأسرة” – الدكتور عبد الله قصير

المحاضرة الثالثة: “المرأة بين النموذج الإسلامي والنموذج الغربي – الدكتورة منى خازم

المحور الثالث : الأسرة في فكر الإمام السيد موسى الصدر

مديرة الجلسة الأستاذة رحمة الحاج

المحاضرة الأولى: ” الأسرة في مشروع النهوض عند الإمام الصدر” – الدكتور زكي جمعة

المحاضرة الثانية: ” مواجهة الغزو الثقافي في فكر الإمام الصدر – سماحة الشيخ الدكتور محمد شقير

المحاضرة الثالثة: “إستلهام دور المرأة الرسالي في بناء المجتمع الرسالي – السيدة مليحة الصدر

المحور الرابع : المقاربات القانونية لحفظ الأسرة

مدير الجلسة المحامي الدكتور حسن فضل الله

المحاضرة الأولى: “الحقوق المدنية في ضوء رسالة الحقوق ” – الدكتور جهاد بنوت

المحاضرة الثانية: “نحو خطاب قانوني يواكب التحديات ويحفظ هوية الأسرة”. – الدكتور غازي قانصوه

دروع وتوصيات

وفي ختام المؤتمر جرى توزيع دروع تكريمية للمحاضرين ورؤساء الجلسات بعد ان تلا البروفيسور زناتي  التوصيات الآتية عن المؤتمر:

 

*التوصيات العامة:*

1.إعداد وثائق فكرية وثقافية ومعرفية تأسيسية تُعنى بصياغة الإطار المفاهيمي والمرجعي للأسرة والمرأة، تنطلق من الرؤية الإسلامية الأصيلة، وتستقي من المصادر الاسلامية الاصيلةلا سيما رسالة الحقوق للامام زين العابدين(ع)، وفكر الامام موسى الصدر، وتُعالج مفاهيم الأسرة، والمرأة، والهوية، والدور الاجتماعي، بلغة علمية معاصرة، بما يساهم في توحيد المرجعيات والمصطلحات الاساسية، وتوجيه السياسات التربوية والثقافية والإعلامية، ويُشكّل أساسًا ناظمًا لإعداد المناهج، والتشريعات، والخطاب العام المتصل بقضايا الأسرة والمرأة.

2.تعزيز المناهج التربوية المدعّمة بمضامين تحصّن الهوية القيمية، وإدماج التربية الأسرية، والوعي القيمي، ونموذجية المرأة، وفق الرؤية الاسلامية الاصيلة.

  1. تعزيز الخطاب الديني والثقافي المعاصر الذي يربط الإيمان بالفعل والمسؤولية، والحضور الاجتماعي الفاعل، ورفض الظلم، وتحمل المسؤولية، وتحويل المناسبات الدينية –ولا سيما عاشوراء– إلى مشاريع وعي وسلوك.

4.إطلاق برامج إعلامية هادفة ومراقبة وتوجيه المحتوى، ودعم الإنتاج الإعلامي الذي يقدّم نماذج إيجابية للأسرة والمرأة، وإنشاء هيئات أو مجموعات مساعدة على ذلك.

5.تمكين الأسرة من التربية الإعلامية والرقمية الواعية، وإعداد برامج تدريبية للأهالي، تعزّز مهارات التربية الرقمية، والاستهلاك النقدي للإعلام، وحماية الأبناء من آثار الحرب الناعمة والغزو الثقافي.

  1. اعداد مناهج وبرامج تربوية وتأهيلية ثقافية لتأهيل الزوجين، ولا سيما المقبلين على الزواج، تساهم في بناء وتماسك الأسرة وأداء أدوارها المتعددة.

7.إنشاء برامج متخصصة تُعنى بالوعي الديني المواكب للمستجدات، وقراءة التاريخ بوصفه مسؤولية، وبناء الخطاب القيمي القادر على مواجهة الظلم والانحراف الاجتماعي والسلوكي..

8.تشجيع البحوث والدراسات العلمية حول قضايا الأسرة والمرأة، ودعم الأبحاث التي تدمج بين الشريعة والقانون وعلم الاجتماع وعلم النفس والإعلام، وإنشاء قواعد بيانات وطنية دقيقة لدعم السياسات المبنية على الأدلة.

9.تطوير الإطار التشريعي والقضائي لحماية الأسرة، ومكوناتها المتعددة.

10.إجراء مراجعة استراتيجية لقوانين الأحوال الشخصية وفق المقاصد العليا، وتفعيل محاكم الأسرة المتخصصة، وربطها بالدعم الاجتماعي والنفسي، وإصدار تشريعات تواجه التحديات المستجدة (العنف الرقمي، التقنيات الحديثة).

11.تعزيز دور المؤسسات القضائية والتربوية والإعلامية وتدريب القضاة والعاملين الاجتماعيين على البعد النفسي والاجتماعي للنزاعات الأسرية، وإقرار مواثيق شرف تلتزم بتعزيز التماسك الأسري ونشر الوعي القانوني والاجتماعي.

12.تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في الحماية والدعم والرقابة، وتوسيع مراكز الاستشارات الأسرية، وتقديم المساعدة القانونية الأولية، وممارسة دور رقابي في تقييم السياسات العامة المتعلقة بالأسرة والمرأة، ⁠وتعزيز الشراكة بين مختلف المؤسسات التي تُعنى بالأسرة، لا سيما المؤسسات الدينية والتربويّة والقانونية والاعلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى