استهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا): الأهداف والمآلات المرجوّة بقلم يوسف أبو سامر موسى

منذ تأسيس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عام 1949، لم تكن هذه المؤسسة الأممية مجرد هيئة إغاثية وإنسانية، بل شكّلت الشاهد الدولي الحيّ على نكبة الشعب الفلسطيني، وعلى جريمة اقتلاعه من أرضه وحرمانه من حقه التاريخي في العودة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم حجم الهجمة السياسية المنظّمة التي تتعرض لها الوكالة، والتي تصاعدت بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة.
لقد شكّلت قرارات الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ولا سيما وقف التمويل أو تقليصه، الأساس العملي لمشروع سياسي يهدف إلى إنهاء دور الأونروا، لا إصلاحها كما يُروَّج. فالاستهداف لم يكن مالياً فحسب، بل حمل أبعاداً سياسية وقانونية خطيرة، تصبّ في اتجاه تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، باعتبارها جوهر القضية الفلسطينية وأحد أعمدة الصراع مع الكيان الصهيوني.
وفي هذا السياق، جاء قرار “الحيادية” ليشكّل أداة ضغط وتخويف بحق موظفي الأونروا، في محاولة لنزع أي بعد وطني أو إنساني عن عملهم. فالحيادية التي فُرضت بالقوة لا تعني الالتزام بالمعايير المهنية، بل إسكات الصوت الفلسطيني حتى لو كان تعبيراً بالكلمة أو بالموقف، أو عبر منصات التواصل الاجتماعي. وقد تُرجِم ذلك عملياً بملاحقة عدد كبير من الموظفين، وفصلهم تعسفياً دون مبررات قانونية واضحة، أو توجيه رسائل إنذار للبعض الآخر، في انتهاك صارخ لحقوق العمل وحرية الرأي والتعبير.
ولم تتوقف الضغوط الأمريكية عند هذا الحد، بل امتدت إلى ممارسة الابتزاز السياسي بحق الدول المانحة، بهدف عدم التجديد لولاية الأونروا، بالتوازي مع حملة تحريض دائمة يقودها الكيان الصهيوني، عبر تقديم تقارير كاذبة ومفبركة تتهم الوكالة وموظفيها بـ“الإرهاب”. والمقصود هنا ليس الإرهاب بالمفهوم القانوني، بل كل من يتمسك بحقوقه الوطنية، أو يعبّر عن انتمائه لقضيته العادلة، ولو بموقف أو كلمة داعمة للحق الفلسطيني.
وفي تطور خطير يعكس الانتقال من التحريض إلى الفعل الميداني، صعّد الكيان الصهيوني إجراءاته المباشرة بحق الأونروا في فلسطين المحتلة، ولا سيما في مدينة القدس، عبر قرارات هدم مؤسساتها، ومحاولات إغلاق مدارسها ومكاتبها. ويحمل هذا التصعيد دلالات سياسية عميقة، إذ إن استهداف الأونروا في القدس يندرج ضمن مشروع تهويد المدينة وفرض السيادة الصهيونية الكاملة عليها، وإلغاء أي حضور دولي أو أممي يشكّل شاهداً على احتلالها.
إن قرار هدم مؤسسات الأونروا في القدس لا يمكن فصله عن سياق المؤامرة الشاملة لتصفية قضية اللاجئين، فهو رسالة سياسية واضحة مفادها أن الاحتلال يسعى إلى شطب الشاهد الدولي على النكبة، وطمس معالمها القانونية والتاريخية. فوجود الأونروا في القدس يذكّر العالم بأن المدينة محتلة، وأن سكانها الفلسطينيين جزء من شعب لاجئ لم تُحل قضيته بعد، وأن حق العودة ما زال قائماً وغير قابل للتصرّف.
وتتكامل هذه الإجراءات الإسرائيلية مع السياسات الأمريكية، في إطار محاولة إضعاف الأونروا مالياً ووظيفياً، ودفعها نحو العجز والانكفاء، تمهيداً لإنهائها تحت ذرائع مالية أو إدارية. وقد تجلّى ذلك بوضوح في القرار الصادر عن المفوض العام للأونروا السيد فيليب لازاريني، القاضي بتقليص الخدمات، وخصم 20% من رواتب الموظفين، وتقليص ساعات العمل، وهو قرار يزيد من معاناة اللاجئين، ويفرغ الوكالة من دورها الإنساني والاجتماعي.
وقد قوبلت هذه القرارات بردود فعل فلسطينية واسعة، شعبياً وفصائلياً، إضافة إلى تحركات الاتحادات والنقابات في الأقاليم الخمسة، رفضاً لسياسات شطب الأونروا بوصفها الشاهد الوحيد على نكبة الشعب الفلسطيني. فالأونروا ليست مجرد مؤسسة خدماتية، بل عنوان سياسي وقانوني لحق العودة، وإنهاؤها يعني عملياً شطب هذا الحق من الوعي الدولي.
وفي لبنان، يثير الحراك المريب لمديرة الأونروا السيدة دوروثي كلاوس تساؤلات جدّية، لا سيما في ما يتعلق بتقليص الخدمات، ووقف بعض المساعدات المخصصة للشؤون الاجتماعية وكبار السن والفئات الأكثر فقراً، في ظل أوضاع اقتصادية وإنسانية كارثية يعيشها اللاجئون الفلسطينيون.
خلاصة القول، إن استهداف الأونروا ليس أزمة مالية عابرة، بل مشروع سياسي متكامل الأركان، تشارك فيه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بأدوات متعددة: مالية، سياسية، قانونية، وميدانية. والهدف النهائي واحد: تصفية قضية اللاجئين، وشطب حق العودة، وإنهاء أحد أهم عناوين القضية الفلسطينية. وأمام هذا الواقع، تبقى مسؤولية الدفاع عن الأونروا واجباً وطنياً وقانونياً وأخلاقياً، دفاعاً عن الذاكرة، وعن الحق، وعن الشاهد الذي يحاولون شطبه.
يوسف أبو سامر موسى باحث سياسي / فلسطين






