نص المحاضرة عن اليسار اللبناني التي ألقاها نهاد حشيشو

بدعوة من منتدى سبعين في صيدا في 1/10/2025
وإستعادها في بيروت يوم الأربعاء 12/11/2025
في مقهى “تحت الشجرة”
*قراءة نقدية في اليسار اللبناني:
– مفصل هزيمة 5 حزيران 1967 ونهوض يساري مأزوم وملتبس.
– 1975 حرب أهلية بمضامين طائفية، تحالفات مستلبة مواجهات عسكرية، وصراعات تحت وصايتين فلسطينية وسورية وإستهدافات دولية.
– حزيران 1982: – إحتلال إسرائيلي لبيروت والجنوب وغلبة للتيار الطائفي المسيحي وإنطلاق المقاومة لتحرير الأرض.
– 6 شباط 1984 وصراعات عامي 1985- 1987: مد إسلامي شيعي سنّي إقليمي ودولي وصاعد في النظام اللبناني بخلفيات مذهبية متباينة مناطقية وفئوية ضاغطة. وإستراتيجيات دولية محرضة وداعمة وهيمنة سورية.
– اليسار القديم وواقع التحولات المستجدة؟
حالة اليسار والحزب الشيوعي اللبناني في أعقاب حقبة ما قبل “الطائف” وبعده.
* نهاد حشيشو
من مواليد (1941)- خريج كلية المقاصد الاسلامية 1960. إنتسب إلى الحزب الشيوعي اللبناني – صيدا قبل عام من ذلك. سافر الى مصر للدراسة في جامعة عين شمس (كلية الآداب – إنجليزي) عام 1960 – 1961 ليطرد منها بعد أشهر، بسبب نشاطه كشيوعي وإنكشافه في زمن الوحدة بين مصر وسوريا.
درس الإقتصاد السياسي في المانيا الشرقية (1965-1970) وكان أثناء دراسته منتقدا للنظام والحزب الشيوعي والأحزاب الشيوعية العربية وإضطر الى المغادرة بطلب من السلطات الحاكمة عام 1968 ليعود لمدة سنة ويخرج نهائياً. مارس بعد عودته الى لبنان التدريس والأبحاث والصحافة وله كتب عدة أبرزها مذكراته قيادات وهزائم. دار عشتروت للنشر توزيع دار بيسان.
أنطلق في قراءتي هذه لليسار اللبناني، كماركسي لينيني إنتمى سابقاً له، عبر الحزب الشيوعي الذي كنت في مقدمة الذين إختلفوا مع قيادته الستالينية وتمردوا، آنذاك، وذلك في مطلع الستينيات من القرن المنصرم، وغادره مع مجموعة صغيرة من الرفاق الطلاب، وطمح دائماً لتصحيح نهج الحزب الذي إستمر بقيادته اللاحقة، بعيد عام 1967 تاريخ الهزيمة، إصلاحياً فاقداً لثوريته الأيديولوجية والعملانية. لينتقل بعدها في كنف الحرب الأهلية 1975 إلى نهج متقلب، يعتمد الفعل ورد الفعل، كما الإستتباع المغامرة، والعسكرة، في أجواء طغت عليها الإنتهازية والخضوع لتحالفات من ضمن هيمنة المنظمات الفلسطينية وعلى رأسها “فتح” والأنظمة العربية، وكذلك التبعية للإتحاد السوفياتي ومعسكره.
هزيمة 1967 وتداعياتها
كنت خلال إقامتي في المانيا الشرقية للدراسة، منغمساً مع رفاق لي عرب كانت غادرت أحزابها الشيوعية مبكراً، في نقاشات ومحاورات حول مسألة صهينة إسرائيل للأراضي المحتلة ومستقبل القضية الفلسطينية والعلاقة مع المقاومة الفلسطينية.. وقد شكلت تلك القضايا، الى جانب مسألة واقع أحزابنا الشيوعية وضرورة تصحيح نهجها وتثويرها، حيزاً أساسياً في لقاءاتنا ومناقشاتنا. وكانت مجموعتنا متفقة حول تحليل جوهر الصراع بيننا وبين الصهاينة وأنه نتاج لواقع إستعماري إستيطاني ورثناه، لكنه لم ولن يشكل في يوم من الأيام، حقيقة ثابتة لوطن إسرائيلي نهائي، فلا بد له آجلاً أم عاجلاً، من أن يزول أو يتبدل في إطار حركة الصراع التاريخي البنيوي السياسي والإقتصادي مع الإمبريالية والرأسمالية العالمية المتضمنة، كل أشكال العنصرية والهيمنة والتفوق العنصري.
ومن أولى من الشيوعيين في مقاومته وإزالته، وأن يكونوا في مقدمة من سيقود هذا النضال المبدئي ويتبنون بذلك موقفاً وطنياً وأممياً في آن. وهذا ما لم تتبناه الأحزاب الشيوعية في تاريخها وبمعظمها لحين قيام حركات تصحيحية في سياق تطورها اللاحق.
وإعتبرت مجموعتنا بناء على ذلك التوجه، أن العدو الإسرائيلي كان ومنذ قيام دولته الهجينة في العام 1948، يتهيأ لحرب توسعية خاطفة ضد الدول العربية المحيطة به (مصر سوريا والأردن ولبنان).كما إعتبرنا أن تناقضات الأنظمة العربية فيما بينها، وتحديداً النظامين البعثيين في سوريا والعراق كما نظام مصر الناصري، والمزايدات الحاصلة، كفيلة بتسريع هذه الحرب التي سبقتها حرب عام 1956 والتي صمدت فيها مصر، في ضوء توازن القوى القائم، يومذاك، بين الجبارين السوفياتي والأميركي وميل الأخير لملء الفراغ البريطاني – الفرنسي في الشرق الأوسط.
في تلك المناخات ظهر العمل الفدائي الفلسطيني المسلح وبدأت العمليات ضد إسرائيل من قبل “فتح” وغيرها فشكلوا بذلك الرافعة التحريضية المحرجة للأنظمة العربية، وخصوصاً الأنظمة التي نهجت طريقاً إتفق بتسميته، تجاوزاً من قبل الأحزاب الشيوعية “تقدمي” لا رأسمالي معادٍ لإسرائيل والإمبريالية. مسارات عديدة وتداعيات سبقت حرب 1967 لتندلع في الخامس من حزيران والتي فاجأ فيها العدو الإسرائيلي العرب والعالم بهزيمة منكرة لمصر وسوريا والأردن خلال سبعة أيام، ما أدى الى ضم الضفة الغربية والجولان السوري وسيناء.
لقد حدثت الهزيمة ووقعت الكارثة
كانت مجموعتنا الطلابية الماركيسية الشيوعية المتشكلة في بعض مدن ألمانيا الشرقية على تفاهم سياسي وأيدولوجي بإنعدام الرؤى والإمكانات للأنظمة العربية “المعتدلة”، و “التقدمية”، و “الرجعية” المتواطئة لتكسب صراعها وحربها ضد إسرائيل المدعومة أوالمتواطئة من قوى عالمية “تقدمية” و “إمبريالية”، هو الأساس الذي جعلنا لم نتفاجأ كثيراً بالهزيمة التي حلت بنا نحن العرب، رغم إنشدادنا حتى آخر لحظة، قبل باقي المخدوعين، إلى إمكانية حدوث معجزة وظهور تفوقنا العسكري.
وقع الهزيمة العربية على الشيوعيين اللبنانيين والسوريين
كان لهزيمة الخامس من حزيران /يونيو 1967، أثر واضح في تكثيف حدة المسائل التي وجد الحزبان الشيوعيان اللبناني والسوري نفسيهما مضطرين للإجابة عنها. وما كانت الازمة التنظيمية بحدتها التي عصفت بالحزب الشيوعي اللبناني ولاحقاً السوري والنتائج السريعة التي تمخضت عنها لتحدث على هذا النحو، لولا أجواء الهزيمة التي سيطرت على المنطقة كلها، والتي لم توفر أحداً من التنظيمات والأحزاب السياسية وخاصة القومية العروبية كالبعث وحركة القوميين العرب والناصريين، وكذلك لولا أجواء النهوض العام الذي شهده لبنان بدءاً من منتصف الستينات، وتأثير الإعتراضات التي برزت في الحزب الشيوعي اللبناني حول قيادته البكداشية التي ساهمت بها أولاً مع رفاق لي بطلب إنعقاد مؤتمر فوري للحزب لتصحيح مساره. وهنا لا بدّ من الإشارة الى أن مجمل التطورات والإنشقاقات التي حدثت داخل الحزب الشيوعي السوري لاحقاً، ما كان لها أن تظهر إلى السطح وتعبّر عن نفسها، لولا زلزال هزيمة حرب 1967 التي سميت تجاوزاً نكسة.
ومنذ عام 1967، بدأت مرحلة يمكن تسميتها بمرحلة المقاومة الفلسطينية التي شهدت تصاعد العمل الفدائي في الأراضي المحتلة عام 1948 و 1967 أو في العالم أو في الفضاء (خطف الطائرات)، وبدأ ذلك كله يشكل إحراجاً للأنظمة العربية وللأحزاب على السواء، خاصة أن الجماهير بدأت تنشد إليه. فما كان من الاحزاب إلا أن إتبعت الطريق نفسه وبدأت السير وراء المقاومة محاولة الكسب من رصيدها المتنافي.
جاءت هزيمة 5 حزيران (يونيو) 1967 لتؤكد العديد من المواقف والآراء التي ناقشناها وتبنيناها خلال دراستنا في ألمانيا الشرقية والتي شكلت في البدايات مجالاً لعزلتنا، خصوصاً بالنسبة لي، وكنا توصلنا الى العديد من المواقف السياسية والنظرية: أبرزها تقليدية الأحزاب الشيوعية العربية وفقدانها للثورية وخضوعها لديكتاتورية الأفراد وهيمنة الأممية عليها بقيادة الحزب الشيوعي السوفياتي وأحزاب دول المنظومة الإشتراكية وسوء إستعمالها للمركزية الديمقراطية.
الحزب الشيوعي اللبناني وحقبة تجمع الأحزاب الوطنية وبروز لقاء القوى التقدمية والشخصيات الوطنية
في العام 1970، وكنت قد غادرت ألمانيا الشرقية نهائياً وعدت الى لبنان، بدت لوحة المشهد السياسي كما يلي:
- صفيت المقاومة الفلسطينية في الأردن وأصبح لبنان مقرها في ظل تأييد واسع من قبل شرائح إجتماعية ووطنية من اللبنانيين الذين طغى عليهم المد اليساري. وظهرت هيمنة “فتح” و”الصاعقة” التابعة لحزب البعث السوري جلية، بعد تحوّل مسار الأخيرة، إثر سيطرة حافظ الأسد ومجموعته على حزب البعث بجناحه السوري.
- عبّر الحزب الشيوعي اللبناني بخلاف واضح عن قوى اليسار الجديد عن برنامجه من خلال قرارات مؤتمره الثالث الذي إنعقد بين 7 و 10 كانون الثاني يناير 1972 في فندق الكارلتون وقد إستمر يؤكد على الصعيد اللبناني إصلاحيته من خلال ربط النضالات الآنية بالنضال الديمقراطي العام بهدف إزالة حكم الطغمة المالية، وصولاً الى نهج جديد في الحكم أساسه معاداة الإمبريالية والتعاون الوثيق مع الأنظمة العربية المتحررة، دون أن يلحظ أهمية الوقائع الجديدة التي برزت في المعادلة اللبنانية والاقليمية القائمة.
- ركز الحزب في تلك الآونة إنتقاداته على حركة المقاومة الفلسطينية لإنجرارها وراء شلل (اليسار المغامر) والإتكال عليه وإتخاذه بديلاً من الحركة التقدمية الحقيقية ذات الوجود الفعلي. سبق ذلك، بدءاً من منتصف الستينات قيام الحزب الشيوعي بالتنسيق مع الحزب التقدمي الإشتراكي وبعض الشخصيات الوطنية والتقدمية والقوى القومية العروبية ومن بينها بعض (شلل اليسار المغامر) إلى تأسيس لقاء لهذه القوى للتحرك سياسياً وشعبياً، وقد جاء ذلك اللقاء كرد فعل فرضته التحديات اليومية التي قامت بدءاً من عام 1970 ضد القوى المؤيدة للمقاومة الفلسطينية في لبنان.
تميّز هذا اللقاء الذي توسع حتى شمل كافة المناطق اللبنانية، بعفويته وإنتظاريته الحديثة، ونادراً ما جاء كخطة عمل مدروسة لتلك القوى. وحتى في المرات التي حدث فيها مثل هذا الشيء، فإن الخطة سرعان ما تتعثر وتفشل بسبب التناقضات، التي كانت تحكم طبيعة وخلفية هذه اللقاءات والخطط أيضاً بسبب التناقضات الأيديولوجية والسياسية والتشرذم الماثلين.
مرحلة ما قبل الحرب الأهلية والإصطراع الطائفي وما تلاها (1976 – 1982) والصراع مع نظام الأسد الغالب تدخلاً..: نهوض يساري جماهيري، بدء الهيمنة الفلسطينية، وتشكل الحركة الوطنية.
بالنسبة إلى المراقب المتابع للمشهد اللبناني – الفلسطيني في العام 1970 – 1982 باتت المواجهات المتكررة بين التنظيمات الفلسطينية فيما بينها، وبين الجيش اللبناني، وبين إسرائيل والفلسطينيين ومؤيدينهم على الأراضي اللبنانية، نمطاً مألوفاً مما جعل تلك المواجهات إلى حد ما غير ذات تأثير جديد في الرأي العام اللبناني، ذلك أن تأثيراتها الأساسية قد حصلت منذ العام 1969. ولم تحدث إنقسامات طائفية عميقة حتى أحداث صيدا العام 1975 التي حملت في طياتها مسائل ذات لون وتأثير طائفيين، كان قد تم استيعابها.
من هنا كان لا بدّ لأية جهة تبغي إثارة الفتنة والإضطراب من أن تثير على المسرح حدثاً من عيار ثقيل لم يعرف البلد مثله من قبل بحيث يؤدي حتماً إلى إنقسام طائفي عميق، وإذا كان هذا هو المطلوب فهل من حدث يمكن أن يصل بالبلد إلى نتائج كارثية أكثر من صدام عنيف بين مسلحي الكتائب والفلسطينيين في عين الرمانة (نيسان 1975). هذا الصدام الذي لم يعرف من أطلق شرارته ولماذا وقع؟
ولا بدّ هنا من ملاحظة أن المد اليساري اللبناني العلماني الذي نما في النصف الأول من السبعينات، في كنف الوجود الفلسطيني المسلح كان يعاني من إزدواجية، فهو من جهة أصبح يشكل حالة متعاظمة أقلقت أهل النظام مسيحيين ومسلمين، ومن جهة أخرى إزداد إرتباطاً بالحالة الفلسطينية المسلحة المفتوحة على تناقضات الوضع الاقليمي والدولي.
وبلغ اليسارالمنفلش ذروة تألقه على المستوى الجماهيري في مناخ عاصف بالأحداث وبدت الألغام المزروعة أمامه وكأنها بالمرصاد وهشاشته الداخلية كانت ملحوظة.
في هذه الأجواء بدأ تشكل الحركة الوطنية الجامعة لكل هذه القوى القومية الوطنية والتقدمية على أساس برنامج مرحلي إستمد معظم بنوده من برنامج الحزب الشيوعي الذي صدر في أعقاب إنعقاد المؤتمر الثالث للحزب.
وقد جاء تشكل هذه الحركة كإمتداد لنشوء جبهة القوى والأحزاب التقدمية والشخصيات الوطنية التي بدأت بالعمل في منتصف الستينات ومطلع السبعينات. وكان ركيزة هذه الحركة شخصية كمال جنبلاط وحزبه التقدمي الإشتراكي، لما له من تأثير في النظام اللبناني في المجالين العسكري والسياسي.
والملاحظ أن أسس هذا البرنامج، كانت يومها من أقل جذرية وإصلاحية من برنامج حركة طلابية، سرعان ما تحولت الى قوة صاعدة غير طائفية، علمانية، سعت الى التوسع لدى شرائح أخرى غير طلابية من المجتمع اللبناني. أسس هذه الحركة، وحملت إسم حركة الوعي – الشباب اللبناني، مجموعة من طلاب الجامعة اللبنانية وآزرها عدد من طلاب الجامعات الأخرى. وأبرز المؤسسين بول شاوول وأنطوان الدويهي وعصام خليفة وأنطوان سيف وغيرهم…
الشيوعيون في الحرب اللبنانية (1975- 1990) ودورهم في تشكل الحركة الوطنية وذيول هذه الحرب
دخل الشيوعيون اللبنانيون هذه الحرب والأفكار الثورية والتحررية طاغية وفي أوج انتعاشها وإزهارها، ومعهم برنامجاً اصلاحياً تبنته الحركة الوطنية التي تشكلت بزعامة الإشتراكي الدرزي كمال جنبلاط لخلاص لبنان من أزماته، وكان منتسباً للإشتراكية الدولية المنبثقة من الأممية الثانية التي هيمن عليها أحزاب إشتراكية حاكمة في أوروبا. وقد سعى الى تأسيس هذه الحركة عملياً الحزب الشيوعي اللبناني وحلفائه من قوى وطنية وقومية ناصرية ويسارية كمنظمة العمل الشيوعي والحزب التقدمي الإشتراكي. غير أنّ قوى هذه الحركة سرعان ما إنتقلت الى التجريب والإنتقائية والمغامرة الضارة بالعمل الثوري وحتى الاصلاحي. وبلغ بها الشطط أنها دخلت المنافسة على أسس طائفية لمناهضة سعي هذه القوى للتوسع وكسب الجماهير من حركة المحرومين (أمل) التي أسسها وقادها السيد موسى الصدر. فخسرت مصداقيتها وظهرت وكأنها قوة انتهازية تسعى إلى السلطة والهيمنة بشتى الوسائل! وأبلغ مثال على ذلك ما إقترفته من إنحراف عبر خوضها معركة طائفية للسيطرة على المجلس الشيعي الأعلى تحت يافطة الديمقراطيين الشيعة.
وكان السيد موسى الصدر قد رفض الإئتلاف مع مرشحي الحركة الوطنية الذين خاضوا المعركة ضد لائحته وإخترقوها. فعنونت جريدة السفير يومها في عددها الصادر بعد الانتخابات “فاز اليسار في الهيئة التنفيذية وفشلت التزكية في الهيئة الشرعية”.
على هذا النوع من الإنحراف أبحرت مراكب تلك الحركة التي إمتزجت يومياتها السياسية بمقدمات حتمية لخراب لاحق على كافة الصعد السياسية الوطنية والطبقي لصالح القوى الطائفية الغيبية والمذهبية والأيديولوجية وأسهمت بهزيمة الوعي التحرري.
كان الإنتقال نحو التجريب والمغامرة من قبل الحركة الوطنية قد جرى بحجة الدفاع عن المقاومة الفلسطينية التي قادها ياسر عرفات بدعم من الأنظمة العربية وتحت يافطتها، فكانت النتائج مأساوية، إذ إنغمس الحزب الشيوعي الذي سيطرت على نشاطيته وعلى نحو كبير، حركة “فتح” كما العسكرة فتقلبت لولاءات والتحالفات مع الأنظمة العربية السائدة التي أضاعت بتركيبها الهجين بوصلة التحرر وأصبح همها الدفاع عن سلطاتها وتحولت الى أدوات قمعية، في حرب أهلية جوهرها الدفاع عن المقاومة والتغيير، لكن مسارها ونتائجها كان طائفياً وتدميرياً لبنية اللبنانيين كما الحزب.
وقد أصابتهم بالصميم وهدرت إمكاناتهم. وما زاد الأمر سوءاً أن بنى الحزب أخذت تتفكك وتضيع ما لديه من رصيد تاريخي معنوي ومادي. ألوف الشهداء والعائلات المشردة والتي لم تلق من يعينها في محنتها وخسارتها وبعثرة للقوى والممتلكات التي بيعت ونهبت هدراً وسقطت وسُيبت في ظل أزمات داخلية وشخصانية أخذت تنمو وتؤثر سلباً على واقعه وتطوره.
ووصلت الأمور، حينها، الى بيع منح التعليم في الدول الإشتراكية لمن أراد الشراء، لتغذية صندوق الحرب والعسكرة. وكان هذا السلوك فاضحاً ومستنكراً .وبدلاً من أن يسحب الحزب الشيوعي نفسه، وكادراته وبناه، من أتون هذه المحرقة الطائفية التي تلحظ أجيالنا الراهنة، خطورتها على الوعي والواقع المعاش من حيث الصراع الطائفي المقيت الذي لا يجد الناس له من تفسير سوى الإنغماس في وحوله، تحت شعارات صحيحة مبدئياً، ولكن واهية ومموهة عملياً تحت ضربات نشر الوعي الطائفي والعصبية المذهبية التي تهددنا على نحو دائم بحرب أهلية لا تبقي ولا تذر، أو تسلب من الجماهير وعيها الطبقي السبيل الوحيد للتغيير الإجتماعي،إختارت قيادته الإستمرار بالمغامرة والتجريب والنزف ومراكمة الخسائر. خلال تلك المرحلة التي إستمرت طويلاً فقد الحزب الالاف من أعضائه ومناصريه، كما تعطل الوعي الثوري لدى أجيال صاعدة في زمن لاحق وإختارت الطائفية والعصبية كحل لها، ودخل في صراعات دموية كان يجب أن لا يدخلها مع قوى طائفية ومذهبية وجماعات موالية لأنظمة تحركها المرتكز إلى أرضية نصرة المقاومة الفلسطينية سياسياً ولوجستياً وبشرياً. وكان موقفي تجاه هذه المسألة مغايراً لذلك بالأساس. فمع أهمية دعم المقاومة الفلسطينية التي كانت على الأرض تمارس أعمالاً وتجاوزات ضارة كثيراً حتى مع حلفائها اليساريين والوطنيين، فإن ذلك لا يجعلها العامل الحاسم نحو التغيير الثوري الذي كنت أراه ممكناً في ظروف ومراحل ملائمة طبقياً وإجتماعياً وسياسياً أخرى، وبالتالي عدم جواز الإلتصاق بحركتها.ذلك أن تطبيقاً واقعياً لبرنامج الحركة الوطنية لم يكن ممكناً ،كونه دمج بين الموقفين :السياسي والإقتصادي لتغيير النظام في ظل هيمنة المقاومة الفلسطنية ،وهذا الأمر أطاح بالهدف المنشود.
لقد ظن قادة الحزب الشيوعي في منتصف السبعينات، أي عشية الحرب الأهلية اللبنانية، ومعهم كمال جنبلاط الذي بدا أنه كان جامحاً نحو الإستيلاء على السلطة وضرب موازين القوى القائمة، أن بإستطاعتهم القفز فوق الواقع الطائفي والطبقي وجذب نهوض الجماهير إليهم وأخذ مقاليد الأمور بأيديهم لاحقاً والتغلب على المارونية السياسية، عبر التحالف مع المقاومة الفلسطينية والعصف بأبواب البرلمان اللبناني والإطاحة به، مع معرفة مسبقة بأن الطبيعة الطائفية السياسية لجنبلاط لا تخلو من ميول سلطوية لحزبه بجوهره الدرزي. لكن غاب عن بالهم أن هذه القوى المتفجرة لم تكن حرة في خياراتها، كي تقود معركة خلاصها الوطني والطبقي، بل كانت مجبرة على تجيير زخمها وهدرها لحركة الفعل والثقل الفلسطيني المحكوم بالسقف الإصلاحي والتسووي المساوم وهو المحدد الرئيسي لوجهة الصراع ونتائجه. فبدلاً من أن يستعملوا المقاومة الفلسطينية للعبور الى التغيير، كما ظنوا ونطروا لذلك، إستعملتهم هي بالمقابل وحولتهم الى أدوات طبيعية لحركتها المتذبذبة والرجراجة والدائرة في فلك صراعات الأنظمة العربية.
وقد وضعوا لهذا الغرض بيضهم كله في سلتها. وكان لخيار الإلتصاق الذي نفذوه مع كمال جنبلاط وبقيادته مع حركة ياسر عرفات أبلغ الضررعليهم وعلى حركة التحرر العربية والجماهيرية اللبنانية في آن. ويبقى القول أن حقبة الحرب الأهلية اللبنانية كانت معبراً بخسائر فادحة ونتائج مأساوية على كافة الصعد نحو لبنان الجديد الذي ورث أزمات لا تحصى وواقع مجتمعي طائفي لا يعد بآفاق مستقبلية ملائمة تتيح لابنائه الباقين فيه العيش، كمواطنين لا كرعايا للطوائف والمذاهب بأمرائها القدامى والجدد، وخطر إسرائيلي قائم بالإحتلال الدائم وتصعيد لطبول الحرب.
اليسار القديم وواقع التحولات. حالة اليسار والحزب الشيوعي اللبناني في أعقاب حقبة ما قبل “الطائف” وبعده
لقد كان لافتاً بصورة مخيفة، ومنذ ذلك المشهد المتكرر في الثامن والرابع من آذار العام 2005 الذي نزل خلاله أكثر من مليون ونصف المليون مواطن ومواطنة بدفع من قوى المذاهب والطوائف بشكل خاص، في حين إقتصرت المسيرات التي دعا إليها الحزب الشيوعي في تلك الفترة نفسها تقريباً، وما تلاها من تظاهرات، على بضعة آلاف من الشيوعيين وأنصارهم، وفقاً لبرنامج إجتماعي وإقتصادي متواضع وموقف ينطوي على الحد الأدنى على الأقل من الإستقلال الطبقي والإبتعاد بحدود في الوقت نفسه، عن الإصطفاف الطائفي والمذهبي. بيد أنّ هذا الموقف الذي يبقى ظرفياً بحتاً ولم يتحول الى ممارسة يومية وعمل تحريضي مستمر وتنظيمي دؤوب لأجل وضع شعاراته ومطالبه موضع التنفيذ، جاء ليعبر عن أزمة النظام الطائفي المريض والمسموم في وقت أخذ فيه اليسار اللبناني يعاني أزمة عميقة على مستويات شتى.
إذ بالإضافة إلى التشرذم والضعف البرنامجي، مع بروز حراكات مدنية مختلفة التكوين والأهداف، تحاول أخذ دوره، وقلة الإنغراس الجماهيري وإنعدام الفعالية لدى المجموعات اليسارية المختلفة الموجودة خارج الحزب الشيوعي، بدأت تدب في صفوف الكتلة الأهم ضمن هذا اليسار والمتمثلة بالحزب المذكور خلافات عميقة، أساسها تاريخي، ذاتي وموضوعي، سبق أن أدت إلى إبتعاد القسم الأكبر من مناضليه عن الحياة التنظيمية، في هيئاته وإلى إنشقاق قسم آخر، ولو ضئيل العدد نسبياً، يجد موقعه الفعلي إلى يمين الحزب الذي إنشق عنه، وهو بالضبط ما سمي حركة اليسار الديمقراطي وخلافه، وفي كل تلك الحالات لعب غياب الحياة الديمقراطية الحزبية والنهج البيروقراطي الروتيني دوراً أساسياً ومستمراً في سيرورة التأزم هذه.
إن ملاحظة تطور الأمور لدى قوى اليسار بتفرعاته وتجمعاته، تدفعني الى التساؤل: هل مجمل هذه القوى أو بعضها، هو ذاته الذي نتج عن تاريخانية تجربة هيمنة وحكم الحركة الوطنية ما قبل الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982 وما تلاه؟ الجواب قد يكون طبعاً لا، وطبعاً نعم إنه “لعم”.
لا شكّ في أنّ شلالات مياه كثيرة مرت وتدفقت منذ ذلك التاريخ على واقعنا السياسي والمجتمعي. بعضها غار في الأرض فإختفى، ومنها ما طغا على سطح الأحداث فأينع أزهاراً ووروداً ومصالح، إنتشرت في لبنان وسائر أنحاء المعمورة.
وهنا يبرز سؤال أساسي.. لماذا لم يتمكن اليسار من ريادة المرحلة اللاحقة، أو لعب دور مؤثر في عملية السعي لتغيير النظام الطائفي الزبائني اللبناني؟
يمكننا هنا، ملاحظة أنّ عدم جماهيرية الحزبين الأساسيين في اليسار في مرحلة ما بعد عام 1982 وهما الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي مع غيرهما من الأحزاب اليسارية لها أسبابها، وطبعاً نتائجها. في مقدمة هذا الأمر، العطب التاريخي الذي واجه الحزب الشيوعي اللبناني في نضاله، فهو لم يكن يوماً ثورياً، بل هو طالما تأرجح وبشكل متباين ومتواتر، بين الإصلاح والشعبوية. وفي تاريخه القديم المليء بالمواقف الخاسرة، نظراً إلى الأخطاء السياسية المرتكبة، حجبته نضالاته السرية التي لم تينع إزدهاراً جماهيرياً، إلا مع مطلع السبعينات. ورغم أن المناخ السياسي الذي كان سائداً في مطلع تلك الحقبة، جاء محرضاً على الإنتفاض تمهيداً للفعل الثوري، فإن الحزب بقيادته المستجدة زمن الشهيد جورج حاوي، لم يسلك هذا المسار، بل غامر فيه تحت جناح المقاومة الفلسطينية المهيمن وجموح كمال جنبلاط إلى حد الإنكفاء والرضى، فالهزيمة. صحيح أنه دعا إلى المقاومة ضد إسرائيل. وهذا موقف صائب وجيد، لكن هذه المقاومة لم تستمر، وتلك مسألة سأتحدث عنها. وعندما غادر الشهيد حاوي الأمانة العامة في الحزب، في مطلع التسعينات، ومع إنهيار تجربة الإتحاد السوفياتي ومعسكره، بدت الأمور مثل قبطان يغادر سفينة على وشك الغرق. هكذا واجه الحزب حقبة المتغيرات ما بعد “الطائف”. صراعات وبعثرة للقوى، غموض في الإستراتيجية، يأس، إنتهازية.. الخ..
لماذا عجز اليسار عن الإستمرار في مقاومة إسرائيل؟
أدى غزو إسرائيل للبنان صيف 1982، ودخول العدو لبيروت في حقبة زمنية قصيرة، ثم خروجه قسراً منها إلى جنوبه وإحتلاله ردماً من الزمن، ثم مغادرته إثر تحرير جزء منه أولاً في شباط 1985، وكاملاً عدا قسم صغير من أراضيه في 25 أيار 2000، إلى بروز جملة من النقاشات من جانب العديد من المؤرخين السياسيين والمقاومين أنفسهم بشأن مسببات ومستجدات ما آلت إليه الأمور قبل التحرير وبعده.
لذا، أجد من الطبيعي، بعد السجال المستمر الحاصل حول المسألة في الإعلام والمنتديات، أن أشارك في النقاش لسببين:
الأول، أنني كنت في عداد هؤلاء المقاومين في المرحلة الأولى إعداداً وتخطيطاً، أمنياً وسياسياً، وفي مباركي ومقدري النجاحات في التالية.
السبب الثاني، أنّي مؤرخ للعمل الحزبي ونشاط المقاومة، وقد أبرزت ذلك في مقالات ودراسات خطيتها أثناء عملي الصحفي والبحثي، وفي كتب أصدرتها من بينها كتاب تضمّن سيرتي الذاتية “قيادات وهزائم”، في عام 2007، عن دار عشتروت – بيسان”.
رغم مساهمة الحزب الشيوعي، كما المنظمة وغيرهما من قوى الحركة الوطنية، في مقاومة المحتل الإسرائيلي – وتلك كانت ظاهرة مضيئة في تاريخهم، ودفعوا أثماناً غالية، لشهداء سقطوا لهم، وأشيد هنا بالنداء التاريخي الذي أطلقه الشهيد جورج حاوي والراحل محسن إبراهيم لمقاومة هذا المحتل الغاصب – غير أن الحزب، وبحدود أدنى المنظمة، لم يتمكنا من إستثمار هذا النضال على المدى البعيد. فبنيتهما المتهالكة ضعفاً، وخطهما السياسي العملي الإستراتيجي، (أشدد هنا على الإستراتيجي، الذي لم يكن موجوداً لا على مستوى التحضير ولا على مستوى المسار، كما النظري)، جعلاهما شبه مغيبين عن مجتمع يتحول بمقاييس ومضامين جديدة، وقوى مستجدة في إطار تنام ملحوظ وسريع للتيارات الاسلامية (قيام الثورة الإسلامية في إيران ودعم الإسلاميين ودول الخليج ومن ورائهما المنظمات الإسلامية، في أفغانستان وتأثير الحرب الإيرانية- العراقية، وغزو الكويت وما نتج عنهما، وإنضباط الأنظمة العربية في حركية ما كان يجري). هنا أسمح لنفسي بفتح هلالين لأذكر أنّ القرار الدولي والإقليمي الذي فرض على الشيوعيين اللبنانيين بعد عام 1985، بمراقبة عمليات المقاومة ضد إسرائيل التي كان الحزب قد بدأها وطلب الإذن قبل الشروع بها (رواية طلب غازي كنعان من الياس عطا الله هذا الأمر)، لم يكن وحده مقنعاً لإيقافها وإنهائها. وهنا تظهر مبالغة عطا الله (آنذاك) بهذا الصدد وإدعاءاته التي تحدث عنها مراراً وآخرها في صحيفة الشرق الأوسط. فهذا القرار لم يظهر في مقدمات مساره، دليل على أنه ألزمهم بذلك، على إعتبار أنّ الحزب كان قد باشر بتخفيف عملياته، ضمن تخبط في الرؤى والخط الرمادي الملتبس سياسياً وإستراتيجياً، وأيضاً لإنعدام الإمكانات المادية واللوجستية وحتى البشرية. واقع الأمر أن الإستمرار في هذه العمليات، التي لم تكن مواكبة للمشهد، أقلها على مستوى بيروت ولبنان في عهد أمين الجميّل، قبل وبعد 6 شباط 1984،كان يتطلب قراراً ورؤى واضحة لم يكونا متوفرين آنذاك، إضافة إلى ما هو مهم وأهم، أن اماكانات الحزب وحالته وبنيته، لم تكن تسمح له بلعب هذا الدور مثلما بدأه حزب الله خصوصاً وحركة أمل في أطر محددة ومحدودة وبعضها كان معيقاً، وهنا أشير إلى أن الحزب الشيوعي ومعه بقايا الحركة الوطنية وقوى يسارية إنغمست بعد “إتفاق الطائف” ووقف الحرب في عملية التسابق لكسب مغانم سلطوية وانتخابية بشتى السبل وأجازت لنفسها القيام بإتفاقات إنتخابية سلطوية طائفية ومصلحية فأبعدت بذلك عنها جماهير صاعدة شبابية تريد التغيير.
في حين أن في بدايات مواجهة العدو (1982-1985) وبعدها في التسعينات الحقبة الأشد، بدا حزب الله والذي ظهر منذ تأسيسه، فتياً منظماً، وحديدياً في تكوينه، ومدعوماً من الحرس الثوري الإيراني، يغرف من بحر جماهيري، معبئ أيديولوجياً مذهبي وغيبي إلهي، مستفيداً من تراكم كل الأخطاء والخطايا المرتكبة من قبل اليسار، في مرحلة السبعينات والثمانينات، وكذلك من أجواء أيديولوجية دينية من داخل النظام الطائفي التي بدأت تنمو في ظله القوى المذهبية. أما الحزب الشيوعي والقوى الوطنية الأخرى، التي كانت قد كثفت من عملياتها بعيد الاحتلال الاسرائيلي، عام 1982، وخصوصاً في منطقة صيدا والخط الساحلي وأقسام من الجنوب، فلم تكن لديها خطة برنامجية بعيدة المدى، واضحة ومفهومة. أذكرهنا حادثة حصلت معي في باريس، التي كنت قصدتها كوني غادرت لبنان قبل الغزو الاسرائيلي بشهر على أن أعود بعد هذا الشهر وبقيت فيها لتعذر عودتي الى بيروت المحتلة وأنا عاهدت نفسي أن لا أكون تحت الاحتلال الإسرائيلي في صيدا. كانت صدفة أن إلتقيت الراحلين جورج بطل وكريم مروة، خلال الإحتفال بعيد صحيفة “الاومانيتيه” الشيوعية في جناح خصص لجريدة النداء، إثر تولي أمين الجميّل الحكم، وفوجئا بوجودي، فأخبرتها أنني هنا ومعي طفلتي مرغماً لأنني لا أستطيع العودة حيث دار معهما الحوار التالي: “لماذا أنت في باريس؟” فأخبرتها أنني هنا ومعي طفلتي مرغماً لأنني لا أستطيع العودة إلى بيروت، التي غادرتها قبل الإجتياح على أمل العودة بعد مدة قصيرة من زيارتي شقيقتي في المانيا الغربية وحصل ما حصل. ولما سألتهما عن الوضع المستجد في لبنان. أجاباني: “لقد قررنا بناء على دعوة الحزب لنا العودة إلى بيروت والاستجابة إلى القرار، ونحن لهذا سنعود قريباً والمهم ما ذكراه: وبرأي الرفاق هناك، أن أمين مختلف عن عهد أخيه بشير، وإن إنتخابه الذي جرى سيؤسس لإنتهاء القتال، ويفسح المجال أمام النضال “الديمقراطي”. فكرت جلياً في ما قالاه لي، وخلصت في النتيجة إلى إلغاء فكرة إستقراري في فرنسا والعودة الى الوطن، فأنا لست من هواة اللجوء إلى أوروبا والعيش فيها. ولوكنت من هؤلاء لبقيت في ألمانيا الشرقية والغربية التي عرض علي مغريات رفضتها للأقامة فيها أو فنلندا التي أقمت فيها مدة ستة أشهر، ثم إن سبب تفكيري بعدم العودة كان وصول بشير إلى السلطة، وما يعنيه ذلك. وهذا العامل إنتفى بإغتياله، كما أن الحزب الشيوعي أوعز إلى قيادييه بالعودة و “النضال” ديمقراطياً فلماذا لا أعود فقررت عندها العودة.
أردت ذكر هذه الحادثة لأنها تضيء على واقع كان مهيمناً على المناخ السياسي اللبناني، وعلى أجواء بقايا الحركة الوطنية وحالة “الحزب الشيوعي”، إذ لم تكن هناك خطة إستراتيجية للحزب قبل الهزيمة وبعدها. وفي زمن الوجود السوري بعد عام 1987، وبدء تحكمه بمفاصل الأمور، كان الحزب الشيوعي الذي خاض صراعات ومعارك غير مجدية وفي غير مكانها، قد بدا منهكاً، وتعصف به التناقضات والتكتلات والتنافس على المواقع والقيادة. وبدأ يشهد تسرب الأعضاء والمناصرين من جسمه وأجوائه يأساً أو تحولاً أو إنجذاباً لمناخات إسلامية جديدة. وزاد الأمر سوءاً، مع انهيار الاتحاد السوفياتي، فبدا عارياً بعدما بدد امكاناته المعنوية والمادية. وكانت عمليات المقاومة قد تضائلت ولم يعد ينفع معها الإستيلاد.
وكان الحزب الشيوعي في تلك المرحلة، خلال معاركه مع قوى طائفية إسلامية في بيروت وطرابلس، يركن عبر مكاتبه في دمشق لوصاية ورقابة في آن من النظام السوري ويتمتع بحماية من قيادته السياسية والعسكرية والتنكيل المموه في آن معاً :هو البؤس الكامل في محصلة حزب تاريخي دفع أثماناً بلا مردود ولو نسبي !
عن لقاءات السيد الراحل الشهيد حسن نصر الله بالشهيد جورج حاوي
حادثة لا بد من ذكرها يقول يوسف مرتضى في “نداء الوطن” 20/6/2020 العدد 284: “طلب مني الرفيق جورج حاوي أن أدبر له موعداً مع السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله، وكان ذلك في ربيع 1998، كوني صديقاً لعضو المكتب السياسي في حزب الله الحاج محمد سعيد الخنسا، وذهبنا معاً وإلتقينا بسماحته، بحضور الأخ أبي سعيد. في هذا اللقاء، شرح جورج حاوي وجهة نظره حول أهمية تأمين الإلتفاف الوطني حول المقاومة، وكي لا يكون تطييفها سبباً لإنقسام اللبنانيين عليها، بدل أن تكون عامل توحيد لهم، وإقترح عليه التعاون لتشكيل مجلس أعلى للمقاومة برئاسة السيد حسن نصر الله، وعضوية الرؤساء والأمناء العامين للأحزاب التي شاركت في أعمال المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي في المرحلة السابقة بمشاركة بعض الاشخاص، منهم النائب جان عبيد والراحل نسيب لحود، بهدف تشكيل غطاء وطني للمقاومة. جواب السيد حسن نصر الله كان: هل يسمح السوريون بذلك؟ تعليقي على هذا…. مهلاً ….. ولو!
خذني بحلمك وبقلة فهمي للأمور يا رفيق جورج أيها الشهيد الذي بهرتني في مطلع شبابي وإنتقدتك لاحقاً هل هذا الطرح الاستراتيجي معقول؟…
كانت المشكلة في السوريين، أم أن العيد إنتهى وحزب الله قاد الأمور نحو التحرير الذي حصل بعد سنتين… هل كان ممكناً أن يمنح حزب الله أو السوريين كل هؤلاء المذكورين شرف إنهاء الاحتلال بالقوة.. والتمتع لاحقاً بفرض نفوذ سلطوي على النظام اللبناني المدعوم بوصاية سورية؟ ولو أين المنطق؟ ولو قبلت سوريا.. هل يقبل الآخرون…؟ هل سيقبل حزب الله؟ لماذا سيتم منح الشيوعيين ببقاياهم وعجزهم ومشكلاتهم هذا الشرف الكبير والإمكانات الرحبة على الآفاق الاستراتيجية السلطوية المقبلة؟ ويصح هنا قول المثل الشعبي: “يطعمك الحجة والناس راجعة” أعود فأكرر، أصبح الحزب الشيوعي في تلك المرحلة في حالة عجز لا تمكنه أبداً من متابعة دور المقاومة إلا رمزياً: ليعترف القادة والأذكياء والأغبياء بذلك، وكفى إتجاراً بالمقاومة. كيف بدأت ولماذا إنتهت لدى الشيوعيين وبأي قرار؟ هل كان من الممكن لو أن القرار لم يصدر – وأنا غير مقتنع به – أن يتابع الحزب الشيوعي آنذاك، وما يجمع من حلفاء وأصدقاء المقاومة المسلحة لإخراج المحتل الإسرائيلي؟ قليل من التواضع! ولا ضرورة لتعليق كل ذلك الفشل على الغير. الآن، وقد وصلت الأمور إلى هذا الحد من تدهور سياسي وإنحطاط كاملين وأزمة إجتماعية خانقة، إقتصادياً وحياتياً، وحصلت الإنتفاضة الشعبية الكسيحة في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، وما نشهده اليوم من أزمة وجودية للبنان في ظل ما حصل في هاتين السنتين بعد هجوم تشرين (عملية الأقصى) 2023، أين هو الحزب الشيوعي، في تاريخه وموقعه عشية عام 1975، مما حصل ويحصل اليوم؟ هل من افاق؟ ما زال يعمل؟ نعم، ولكن كيف، إلى أين وما مدى تأثيره على الواقع؟ ماذا عن بنيته، وحدته التنظيمية… ألوف الشوعيين خارج الحزب أين المراجعة التاريخية، أين النقد الذاتي الفعلي؟ أين المؤتمر بمادة وحيدة: لماذا حصل كل هذا الدمار لي؟ بدلاً من مؤتمرات مبهرجة وإستعراضات كلاسيكية، بإحضار وفود من الخارج هدفها إنتاج قيادات بيروقراطية بسلطات معنوية فاقدة لفعاليتها. في هذا المؤتمر الذي يدعى إليه كل الشيوعيين الذين إنخرطوا فيه سابقاً وراهناً وإنتموا إليه وتوجه الدعوة كذلك لكل من تم عزله، فصله، إستنكف عن النشاط، جُمد أو حتى تم طرده!!
في نهاية هذا المؤتمر تصدر وثيقة عنه بنتائجه النقدية والمستقبلة مع تبني الدعوة لانعقاد مؤتمر ثانٍ بعد ستة أشهر، يتم فيه مناقشة الوثيقة البرنامجية لخطة عمل الحزب التي يكون قد صاغتها لجنة إنبثقت عن المؤتمر الأول، فيجري إقرارها وإنتخاب هيئات قيادية تشرّع وجود تيارات داخل التنظيم وليس تكتلات، تسيّر أعمال المؤتمرين وفقاً لآلية الديمقراطية المركزية، عنوانهما: الشفافية المطلقة، مع نقد ذاتي، تحديداً للمسؤوليات التاريخية مع صياغة البرنامج المرحلي.
مفهوم اليسار وآفاق النهوض المستقبلية
راهناً، يعاد طرح سؤال عن آفاق نهوض اليسار بصفة مرتبكة والسؤال: هل ما يزال مفهوم اليسار حاجة موضوعية في عصرنا، أم أنه بات منتهي الصلاحية. لا يتعدى كونه شعاراً متروكاً للذاكرة التاريخية؟ البعض يجيب بالنفي، معتبراً أن الأجدى هو الإنطلاق من المشكلات الملموسة لا من التعريفات الأيديولوجية. لكن هذا الطرح ينفي اشكالية إذا كان لا بد من معالجة قضايا المعيشة والعدالة والبيئة والحقوق، فما الاسم الذي يجمع هذه المطالب ويعطيها إتجاهاً تاريخياً؟ أن التهرب من المفهوم بحجة براغماتية واقعية لا يحل الأزمة. المطلوب ليس إنكار الحاجة الى اليسار، بل إعادة تأسيسه على أسس جديدة تحرره من الميتافيزيقيا التقدمية المخادعة ومن تبعية العديد من أقسامه الليبرالية، وتعيد ربطه بالطبقات الشعبية لا بالنخب الكوزموبوليتية كما تؤكد مهمته في مقاومة الإمبريالية الدولية والهيمنة وإسرائيل كقاعدة لهما. في ظروفنا الراهنة. هذه هي مهمة اليسار اللبناني . إن إلادعاء بأن اليمين يخترع يساراً خرافياً لأنه لا يملك حلولاً لقضايا الديموغرافيا والأمن والهوية فيه جزء من الصحة. لكن لا يكفي. نعم اليمين يوظف خطاب الخوف ولكنه ينجح لأنه يجد فراغاً في الجهة المقابلة. لو كان اليسار مشروع مقنع للطبقات الشعبية لما وجد خطاب الخوف هنا صدى واسعاً. الرهاب والخوف وحدهما لا يفسران الأزمة، بل هما نتيجة ثانوية لفشل اليسار في تقديم بديل وتظهير ما هو واقع راهنا. إن حصر النقاش في الرهاب، يعفي اليسار من مسؤوليته عن الفراغ الذي تركه وهو ما سمح لليمين الكلاسيكي الشعبوي الطائفي والمذهبي بالتمدد. ويندرج في إطار هذا اليمين العديد من تشكيلات ومواقع وقوى التيارات الطائفية التي شهدت في كنف فشل تجربة اليسار اللبناني وخسائره المادية البشرية والمعنوية، خلال الحرب الأهلية وما تلاها في زمن دستور الطائف وحقبته، وفي مقدمه أداء الحزب الشيوعي والتشكيلات الماركسية والقومية المنضوية تحت لواء الحركة الوطنية السابقة البائس والمخيّب، نهوضاً جارفاً لقوى الدعوات الكيانية الدينية والطائفية وتشكيلاتها المذهبية، وسيطرتها على مفاهيم فكرية وسياسية ومواقع لقضايا وجودية وطنية وقومية وإجتماعية إقتصادية، هي في صلب توجهات وبرامج هذا اليسار. فمقاومة الامبريالية الدولية أميركية أو خلافها وقاعدتها الكيان الصهيوني، وارساء أسس قيام جبهة تحررية عربية شعبية وأممية هي أقانيم محورية لوجود هذا اليسار!
إن المهمات أمام اعادة صياغة مفاهيم ثابتة وواضحة لهذا اليسار، هي في طليعة عمل القوى اليسارية العربية والعالمية والأحزاب الشيوعية المتجددة تاريخياً، على أسس كفاحية إنسانية تحررية بآفاق ثورية أممية إشتراكية.






