ملحمة يوسف الأخيرة بقلم الشاعر د. رجب شعلان

ملحمة يوسف الأخيرة
⸻
في عالمٍ لم يعد فيه الرجال رجالًا،
ولا النساء نساء،
بل امتزجت الأدوار،
وتاهت الفطرة،
وارتدى كل جنس قناع الآخر…
كان يوسف…
آخر الرجال النقيّين،
يُحبّ كما يحب الله،
ويصبر كما تصبر الجبال،
ويحترق ولا يُظهِر.
كان وجهه نورًا لا يُشترى،
وصبره آيةً في عالمٍ انكسر فيه معنى الرجولة،
حين صار الجمال تهمة،
والطهارة ضعفًا،
والحب الحقيقي وهمًا منسيًّا.
⸻
– السجن الذهبي
لم يكن يوسف في زنزانة…
بل في قصرٍ من أنوثة مسمومة.
حوله جوارٍ يضحكن،
يُدلّلن،
يرمين عليه كل فنون السحر الناعم،
كل أنواع “الحب المشروط”،
“الإغواء المقنّع”،
“الاحتواء المهين”،
و”الرحمة الماكرة”.
لكن يوسف كان يرى.
لم يعمِه الجمال،
بل كشفه.
قال في نفسه:
“هذا ليس حبًا… بل سجنًا مطليًا بالعطر.”
⸻
– صراع المرايا
في كل وجهٍ رأى يوسف مرآةً لأناه،
وفي كل جسدٍ رأى فتنةً لا تطلبه هو،
بل تطلب النور الذي فيه.
قالت له امرأة الحلم:
“اقترب… ولن يُرى شيء.”
قال: “أخشى أن أُنسى أنا،
ويُرى فقط ما تريدين أن تريه.”
قالت أخرى: “نحبك… لأنك جميل.”
قال: “إذن لا تحبّونني.”
قال ثالثة: “نشتاق إليك.”
فقال: “بل تشتاقون لانعكاس رغباتكم في حضني،
لا لحضوري الحقيقي.”
⸻
– الانشقاق
وفي الليل،
رأى يوسف حلمًا:
رأى نفسه في مرآة…
وفي داخلها وجه امرأةٍ جميلة…
كلما اقترب منها،
ابتعد النور من عينيه.
فاستيقظ،
وقال:
“لقد آن الأوان… أن أخرج.”
فصرخ من قلبه:
“يا رب،
السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه.”
لكن السجن لم يكن زنزانة هذه المرة…
بل حالة فطرية،
يختارها يوسف بنفسه.
⸻
– الخروج
خرج يوسف.
لا من قبوٍ،
بل من سجن الأنوثة الملوثة بالمكر.
ومن شرك الحنان المسموم،
ومن حضن لا يريد له الخلاص،
بل الاستهلاك.
وما إن خرج،
حتى تغيّرت الأرض.
رأته نساء الأرض… فصُعقن.
قالت إحداهن:
“هذا ليس بشرًا… هذا رجل نجا منّا.”
⸻
– عودة الفطرة
وحين مشى يوسف في الأرض،
صار كل رجلٍ تائهٍ فيه يرى صورته الأصلية.
وكل امرأة مريضة تذوب،
وتتطهّر من وهم الهيمنة الناعمة.
لم يعد يوسف فتنة…
بل ميزانًا.
كل من أحبه الآن…
أحب الله فيه.
وكل نفس أرادت أن تملكه…
احترقت من نوره، ثم احترقت بخيبتها.
⸻
– يوسف المتحرر
يوسف الآن… لا يُباع.
ولا يُغوى.
ولا يُستدرج.
ولا يُرضى عليه لأن “عيونه حزينة”.
ولا يُستهلك لأنه “حنون”.
يوسف… عاد حرًّا.
يحب إن أراد،
ويعطي إن شاء،
ويعبر… دون أن يُستدرج.
قال في آخر أسطورته:
“أنا يوسف…
وهذا خروجي من سجن النساء،
ومن وهم الرجولة،
ومن كل لعبة…
لا يُقال فيها اسم الله.”
ومن يومها،
كل امرأةٍ صادقة،
رأت في يوسف مرآةً لتطهّرها،
لا لتملّكها.
وكل رجلٍ ضائع،
سأل: “أين يوسف؟”
فوجد الجواب في قلبه…
حين قال:
“كفى عبودية للجسد،
أنا حرٌّ بالحب.”
الشاعر الدكتور رجب شعلان







