بأقلامنا

الصهاينة وقطار التسوية بمسمياته المختلفة… من أوسلو إلى الانسداد الاستراتيجي الشامل بقلم يوسف أبو سامر موسى

الصهاينة وقطار التسوية بمسمياته المختلفة… من أوسلو إلى الانسداد الاستراتيجي الشامل

✍️: يوسف أبو سامر موسى
باحث سياسي / فلسطين

لم يكن اتفاق أوسلو عام 1993 مجرد محطة سياسية عابرة في مسار الصراع العربي-الصهيوني، بل شكّل نقطة انعطاف استراتيجية أُعيد من خلالها تعريف طبيعة الصراع، وأُخرج من كونه صراع تحرر وطني مع كيان استعماري استيطاني، إلى مسار تفاوضي مفتوح بلا سقف زمني ملزم ولا ضمانات تنفيذ. ومنذ ذلك التاريخ، يسير ما يُسمّى بـ”قطار التسوية” بمسميات مختلفة، من مفاوضات ثنائية، إلى رعاية دولية، إلى مبادرات إقليمية، دون أن يصل إلى نتيجة، ودون أن يتوقف رغم فشله البنيوي.
أولًا: أوسلو كإطار لإدارة الصراع لا حله
من الناحية الاستراتيجية، لم يُصمَّم اتفاق أوسلو ليقود إلى إنهاء الاحتلال، بل ليُعيد تنظيمه بأدوات أقل كلفة على الكيان الصهيوني. فقد أُقيمت سلطة فلسطينية ذات وظائف إدارية وأمنية محدودة، وقُسّمت الضفة الغربية إلى مناطق (أ، ب، ج) بما يسمح للاحتلال بالتحكم الجغرافي والديمغرافي الكامل، مع تحميل الطرف الفلسطيني أعباء إدارة السكان دون سيادة أو موارد حقيقية.
هذا التقسيم لم يكن إجراءً مؤقتًا، بل بنية دائمة لإدامة السيطرة، حيث تحوّلت المناطق المصنفة نظريًا تحت إدارة فلسطينية إلى جيوب معزولة، فيما بقيت الأرض، والحدود، والمياه، والاقتصاد، والمعابر بيد الاحتلال. وهكذا جرى تفريغ مفهوم الدولة الفلسطينية من مضمونه، وتحويله إلى كيان إداري هش مرتبط وظيفيًا بالمنظومة الاحتلالية.
ثانيًا: التنسيق الأمني كركيزة للمنظومة الجديدة
يشكّل التنسيق الأمني أحد الأعمدة المركزية في بنية أوسلو، وهو من منظور استراتيجي آلية لضبط المجال الفلسطيني ومنع تشكّل أي حالة مقاومة فاعلة. فبدل أن يتحمل الاحتلال كلفة المواجهة المباشرة، جرى تفويض جزء كبير من هذه المهمة لأجهزة أمنية فلسطينية نشأت وتطورت ضمن عقيدة أمنية مرتبطة بالاتفاقيات والتمويل الخارجي.
هذا الواقع لم يؤدِّ فقط إلى إضعاف المقاومة، بل أسهم في خلق فجوة داخلية خطيرة، وضرب النسيج الوطني، وتحويل الصراع من مواجهة مع الاحتلال إلى صراع مركّب يتداخل فيه السياسي بالأمني بالاقتصادي، بما يخدم الهدف الاستراتيجي للكيان في إدارة الفلسطينيين بأقل تكلفة وأعلى قدر من التحكم.
ثالثًا: وهم الدولة مقابل تسارع الوقائع على الأرض
بينما استُهلك الخطاب السياسي الرسمي في الترويج لحل الدولتين، كان الكيان الصهيوني يعمل بوتيرة متسارعة على تقويض أي إمكانية مادية لقيام دولة فلسطينية. توسّع استيطاني غير مسبوق، مصادرة أراضٍ، تقطيع أوصال الضفة الغربية، تهويد القدس، واستباحة المقدسات، وصولًا إلى محاولات إنهاء قضية اللاجئين عبر استهداف وكالة الأونروا وتجفيف مواردها.
في هذا السياق، لم تعد فكرة الدولة الفلسطينية مجرد مشروع مؤجل، بل تحوّلت إلى خيار مستحيل واقعيًا، وهو ما أدركته مبكرًا فصائل المقاومة التي رفضت أوسلو، وفي مقدمتها حركة الجهاد الإسلامي، التي انطلقت من قراءة استراتيجية مفادها أن كيانًا استيطانيًا إحلاليًا لا يمكن أن يمنح حقوقًا وطنية لشعبٍ يعمل على اقتلاعه، وأن التسوية ليست سوى غطاء سياسي لمشروع التوسع والهيمنة.
رابعًا: من إدارة الصراع إلى حسمه بالقوة
تشكل الحرب المفتوحة على قطاع غزة ذروة هذا المسار. فما يجري ليس مجرد عدوان عسكري، بل استراتيجية إبادة جماعية تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني، وتدمير البنية الاجتماعية والاقتصادية، وفرض وقائع ديمغرافية جديدة عبر التهجير القسري. ويتكامل ذلك مع ما يجري في الضفة الغربية من اقتلاع ممنهج، وإرهاب مستوطنين، وتدمير مخيمات، في إطار مشروع شامل لتصفية القضية الفلسطينية.
كل ذلك يحدث في ظل انهيار كامل لمنظومة القانون الدولي، وعجز المجتمع الدولي عن فرض أي التزام على الكيان الصهيوني، ما يؤكد أن مسار التسوية لم يكن يومًا محكومًا بالقانون، بل بموازين القوة المختلة.
خامسًا: الانسداد الاستراتيجي وتبدل المعادلات الإقليمية
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على أوسلو، يقف مشروع التسوية أمام انسداد استراتيجي كامل. فلا مفاوضات ذات معنى، ولا دولة في الأفق، ولا شريك “سلام” يمكن الوثوق به. في المقابل، تتغير البيئة الإقليمية تدريجيًا، مع صعود محور مقاومة يرى في فلسطين قضية مركزية، ومع تراجع الهيمنة الغربية الأخلاقية والسياسية بفعل انكشاف ازدواجية المعايير.
الاعتداءات المتواصلة على لبنان وسوريا، والتهديدات بحق إيران، تكشف أن الكيان الصهيوني لا يتعامل مع الصراع كملف فلسطيني فحسب، بل كصراع وجودي إقليمي، ما يعني أن أي رهان على تسوية جزئية أو حلول مرحلية بات خارج السياق التاريخي.

اختم لاقول ما بعد وهم التسوية
إن السؤال لم يعد: لماذا فشلت التسوية؟ بل: لماذا ما زال البعض يصرّ على الرهان عليها رغم سقوطها الاستراتيجي؟ فالتجربة، والوقائع، والتاريخ تؤكد أن الكيان الصهيوني لا يحترم المواثيق ولا الاتفاقيات، وأن الحقوق الوطنية لا تُسترد عبر مسارات تفاوضية غير متكافئة، بل عبر إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني على قاعدة التحرر والمقاومة الشاملة، بأدوات سياسية وشعبية وميدانية تتناسب مع طبيعة المرحلة.
لقد وصل قطار التسوية إلى نهايته الواقعية، وإن استمر شكليًا. أما المرحلة المقبلة، فهي مرحلة صراع مفتوح على هوية فلسطين ومستقبل المنطقة، حيث لم يعد ممكناً إدارة الصراع، بل حسمه.

✍️: يوسف أبو سامر موسى
باحث سياسي / فلسطين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى