بأقلامنا

سقوط الأسطورة الصهيونية… وأميركا في مأزق الانحدار بقلم أبو سامر موسى

 

منذ قيام ما يسمى بدولة (إسرائيل) عام 1948 أُحيط هذا الكيان بغطاءٍ دولي وحمايةٍ سياسية وعسكرية مكّنته من ترسيخ وجوده بالقوة معتمدا على سياسة الارهاب المنظم من خلال المجازر التي اقدم عليها مثل مجزرة دير ياسين في 8 نيسان 1948ومجزرة ومجزرة الطنطورة بعد شهر تقريبا من مذبحة دير ياسين وغيرها مع مرور السنين بحق الشعب اللبناني والمصري مثل مجزرة بحر البقر التي ذهب ضحيتها 30 طفل واصابة 50 اخرين نيسان 1970 ومجزرة قانا حيث استهدفت القوات الإسرائيلية مركز اليونفيل بقصف مباشر أدى إلى مقتل أكثر من 100 شخص معظمهم من النساء والأطفال بتاريخ 18نيسان 1996 هذه السياسة الاجرامية التي اعتمدها كعقيدة امنية قائمة على مفهوم الحرب الوقائية و الضربة الاستباقية ضمن استراتيجية هجومية هدفها إشغال الخصوم وإشعال الحروب وفرض وقائع جغرافية جديدة على الأرض ملطخة بدماء الاطفال والنساء لرسم هيبة للجيش الصهيوني وبث الذعر والخوف في قلوب الاعداء ، ضمن هذه العقيدة القتالية وفي عام 1967 خلال حرب الأيام الستة وسّع الكيان احتلاله ليشمل الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان في تجسيد واضح لعقيدة التمدد بالقوة بفعل المجازر والارهاب ولم يتوقف المشروع عند حدود فلسطين بل امتد إلى لبنان حيث اجتاحت قوات الاحتلال أراضيه وصولاً إلى العاصمة بيروت عام 1982 بدعم مباشر من الولايات المتحدة وبتواطؤ إقليمي ومحلي وشكّلت مجزرة صبرا وشاتيلا محطة دامية في محاولة تصفية القضية الفلسطينية وإنهاء حضورها السياسي والعسكري في لبنان.
ومن نافل القول ان هذا العدوان والاجتياح الصهيوني رغم المأساة والمجازر والقتل الا انه تميز بميزتين اساسيتين اولهما ان هيبة الجيش الاسرائيلي سقطت امام اطفال ونساء وشباب فلسطين ولبنان ولم يعد يمثل عقدة خوف كما كانت قبل الاجتياح والميزة الثانية انها كانت لحظة ولادة مقاومة جديدة ومتعددة المشارب شارك فيها الحزب السوري القومي الاجتماعي بعملية مقهى الويمبي 24 أيلول 1982 التي نفدها الشهيد خالد علوان وكانت بداية زوال اسرائيل من لبنان، كما شاركت فصائل فلسطينية عدة وقوى إسلامية ووطنية لبنانية بإطلاق المقاومة التي تكاملت جهودها ووحدة هدفها بعنوان واضح وهو كنس الاحتلال من الأراضي اللبنانية ومع تصاعد العمل المقاوم بدأت صورة الجيش الذي لا يُقهر بالتآكل إلى أن جاء الانسحاب الإسرائيلي من معظم الجنوب اللبناني عام 2000 ليشكّل ضربة استراتيجية ومعنوية غير مسبوقة للمشروع الصهيوني منذ تأسيسه على انقاض الشعب الفلسطيني.
في الداخل الفلسطيني تكرّست عدة محطات مواجهة مفصلية أبرزها معركة جنين عام 2002 خلال الانتفاضة الثانية حيث واجه مقاومون بإمكانات متواضعة بقيادة الشهيد محمود طوالبة ابن سرايا القدس والذي اطلق العدو الصهيوني عليه لقب الجنرال لشجاعته وحنكته في ادارة المعركة في مواجهة جيشاً مدججاً بالسلاح وأوقعوا فيه خسائر فادحة حيث شكّلت تلك المعركة دليلاً إضافياً على أن السيطرة العسكرية لا تعني الحسم السياسي أو كسر الإرادة الشعبية.
ثم جاءت حرب 2006 في لبنان وجولات القتال في غزة المتتالية بعد الانسحاب الصهيوني عام 2005 نتيجة ضغط العمل المقاوم وصولا لجولات القتال في أعوام 2008-2009-2012 و2014، لتؤكد أن التفوق العسكري الإسرائيلي لا يمنع تكرار الإخفاقات في مواجهة قوى غير تقليدية تعتمد حرب الاستنزاف والصمود الطويل.
غير أن اللحظة الفارقة تمثلت في عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 التي كشفت خللاً عميقاً في المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية حيث بدا المشهد وكأن القيادة فقدت زمام المبادرة ما استدعى تدخلاً أميركياً مباشراً سياسياً وعسكرياً و توالت زيارات المسؤولين الأميركيين من وزير الخارجية أنتوني بلينكن الذي قالها صراحة اني اليوم بينكم كيهودي الى جانب صفتي كوزير خارجية امريكا إلى زيارة وزير الدفاع لويد أوستن وصولاً لزيارة الرئيس جو بايدن في مؤشر واضح على أن واشنطن أصبحت شريكاً كاملاً في إدارة المعركة بل وضامناً لبقاء الكيان واستمراره واعتبارة ولايه ومن الولايات المتحدة الامريكية لان زوالها يعني زوال المشروع الغربي والعكس صحيح.
إلا أن نتائج الحرب لم تقتصر على الميدان فقد أفرزت واقعاً إعلامياً وشعبياً عالمياً مختلفاً عما كان إذ تراجعت قدرة السردية الإسرائيلية والغربية على احتكار المشهد وبرز رأي عام دولي ناقد للسياسات الإسرائيلية خاصة مع تصاعد أعداد الضحايا المدنيين مما ساهم بشكل رئيسي بصناعة رأي عام متعاطف مع الشعب الفلسطيني معادي للكيان الصهيوني و اتسعت رقعة الاحتجاجات داخل الجامعات والمدن الغربية بما فيها الولايات المتحدة ما عكس فجوة متزايدة بين الشعوب وحكوماتها في التعاطي مع الحرب في المقابل أدى الانخراط الأميركي العميق إلى ربط صورة واشنطن بصورة تل أبيب الدموية الأمر الذي أثّر على مكانتها الدولية خاصة مع تصاعد التوترات مع قوى إقليمية كالجمهورية الإسلامية في إيران وتزايد الانتقادات لسياساتها في الشرق الأوسط كما أن الارتباك في إدارة التحالفات الدولية و تحقير دول اوروبا والناتو مما انتج تباينات داخل حلف شمال الأطلسي(الناتو) عكست تحولاً في موازين القوة العالمية حيث لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الأوحد القادر على فرض إرادته دون كلفة استراتيجية عالية.
إن الحديث عن (سقوط إسرائيل) لا يُقصد به زوالاً آنياً بل تآكل صورة الردع والهيمنة التي بُنيت على مدى عقود أما (سقوط أميركا) فيتجلى في تراجع قدرتها على إدارة الأزمات واحتواء تداعياتها دون أن تنعكس سلباً على نفوذها العالمي.
اخيراً اود القول بين مقاومة تتراكم خبرتها وتوسّع حضورها وكيان يعيش أزمة ثقة داخلية وخارجية وإدارة أميركية تخوض معارك استنزاف سياسية وعسكرية يبدو أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة عنوانها إعادة تشكيل موازين القوة وانكشاف حدود الهيمنة مهما طال أمدها.

✍️ أبو سامر موسى
باحث سياسي/فلسطين
الاحد 15شباط 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى