بأقلامنا

بدعة “الرُؤَساء الثلاثة” بقلم الشاعر هنري زغيب

بدعة “الرُؤَساء الثلاثة”
“أَزرار” رقم 1398- “النهار”
الجمعة 13 شباط 2025

لا أَعرف في البلدان دولةً لها “ثلاثةُ رؤَساء”، ولا سُلطةً بـ”ثلاثةِ رُؤُوس”. لذا نافرةٌ عندنا تسميةُ “الرؤَساء الثلاثة” في لبنان. وهي بدعة يتداولها الإِعلام حين يجتمع رئيسُ الجمهورية ورئيسُ المجلس النيابي ورئيسُ الحكومة، أَو حين يَزورُهم ضيفٌ رسميٌّ من الخارج.
ولا أَعرف في قوانين الدُوَل ودساتيرها ما يوجبُ ضيفًا رسميًّا، عند زيارته أَيَّ بلد، أَن يُضْطَرَّ إِلى التنقُّل لدى رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي ورئيس الحكومة،كي يَخْلُص من زيارته بنتيجةِ القصد منها. أَعرفُ أَنَّ رئيسَ البلاد يختصرُ الزيارات لديه، وإِن كان من دورٍ لرئيس البرلمان أَو الحكومة، فأَمر محدَّدٌ للضيف بمبرراته ونتائجه.
ولا أَعرف إِن كان في الدستور اللبناني موجِبُ زيارةِ الضيفِ مقارَّ الرئاسات الثلاث كي يَخْلُصَ بنتيجةٍ من زيارته. وأَعرفُ أَنَّ عندنا ثلاثَةَ مقارٍّ لرئاساتٍ موزَّعةٍ على سُلطات واضحة تخضَع جميعُها لمبدإِ فصل السلطات. فما علاقة الضيف الزائر بالسُلطتَين التشريعية والتنفيذية إِذا كانت زيارتُه رئاسية؟
أَفهمُ أَن تكون عندنا ثلاثُ رئاساتٍ في ثلاثِ سُلطات. وهذا موجود تلقائيًّا في جميع دُوَل العالم. كما أَفهمُ أَن يتوجَّه زائر الدولة إِلى السُلطة المعنية تحديدًا بزيارته، حين لا تكون على مستوى وزاري ونيابي. ولكنْ لا أَفهمُ كيف ضيفُ لبنان يزورُ مقارَّ الرئاسات الثلاث حين هو سفير أَو نائب أَو وزير،… وليس بروتوكوليًّا على مستوى أَيٍّ من الرئاسات الثلاث.
عندنا ثلاث رئاسات؟ صحيح. كما عند جميع الدُوَل. ولكن ليس عندنا “ثلاثةُ رؤَساء”. فمَن ذا ابتدعَ هذه التسمية؟ إِذا كان استعمالُها عمدًا، فهو يستوجب التغيير فالمحاكمة لأَنها تسميةٌ تؤُذي كُلًّا من الثلاثة المعنيِّين بها. وإِذا كانت التسمية اختصارًا، أَو كسَلًا من التفصيل الثلاثي، ففيه أَذًى يَجرح الولاء الوطني.
بدعةُ “الرؤَساء الثلاثة” تستتبع أَن يكونَ لكلِّ واحدٍ منهم أَنصارٌ وأَتباعٌ وشعبيةٌ وأَزلامٌ ومحاسيبُ ومناصرون، وهذا تفكيكٌ جوهرَ الولاءِ الوطنيّ. وهي دُرْجةٌ عوجاءُ رائجةٌ عندنا منذ عقودٍ، ولا تقتصر على عهدٍ معيَّنٍ أَو ولايةٍ سُداسيةٍ دون أُخرى. وطبيعيٌّ معها أَن تكونَ لكلٍّ من الثلاثة قاعدةٌ شعبيةٌ أَو سياسيةٌ جاءت به إِلى الحُكْم. لكنَّ هذه القاعدة، حين يبلغ كرسي الحُكْم، تبقى له وحده، وتبقى على الولاء له دون الاثنَين الآخَرَيْن. وتاليًا: بدْعة “الرؤَساء الثلاثة” تُبقي الولاءَ مُجَزَّأً مُقَسَّمًا مُفَتَّتًا مثَلَّثًا، ويحول دون أَن يكون الولاء وطنيًّا جامعًا عابرًا واقعَ الاستزلامات والزبائنيات.
بدعةُ “الرؤَساء الثلاثة” تُبقي البلاد في صيغة العشيرة والقبيلة والمزرعة و”المقاطعجيات”. وبذا يَشعر اللبناني أَنه لا يَنتمي إِلى وطنٍ أَو دولة، بل إِلى ولاءات فردية إِحادية شخصية شخصانية سياسية، ودينية طائفية مذهبية، لا أَمل منها في إِقناع مواطنٍ أَن يكون خارج “الحظيرة”. وهذا المواطن، الغارقُ اليوم في استزلاماته (لأَن ملاذَه زعيمُه السياسيّ لا الدولة العادلة)، لا نضيِّعنَّ الوقت في إِرشاده وترشيده. فَلْنَتَوَجَّهْ إِذًا إِلى الجيل الجديد النقيّ، النظيف من كل لَوثةٍ استزلامية، ولْنُنْشِئْهُ على مبدإٍ وطنيٍّ لا سياسيّ.
كيف؟ بإِرشاده إِلى الولاء للوطن،كلِّ الوطن، هنا على أَرضه ولدى الـمَهاجر اللبنانية في العالَم، فيَعِي أَهميةَ وطنه ويعتزُّ به، وينمو على حبِّ التمثُّل بأَعلامه العُظماء.
كيف؟ بإِرشاده إِلى الولاء لعَلَم بلاده وما يرمز إِليه من قيَم لبنان التاريخية والحضارية وما يختزن من وفاءٍ للروَّاد مؤَسسي الدولة على أُسُسٍ وطنيةٍ جامعة.
كيف؟ بإِلغاء التقسيم العام سياسيًّا وطائفيًّا في البلاد، فتكون لنا وحدةٌ وطنيةٌ متكاملة لا مقاطعات متفرقة تخضع لزعمائها.
كيف؟ بحذف التعابير التي تؤْذي الانتماءَ الوطنيَّ الواحدَ الموَحَّدَ الموحِّد، ومنها هذا التعبير الـمِسْخ: “الرؤَساء الثلاثة”.
*
دانايات (2)
ما الجسد؟
– مساحةُ الروح من سمائكِ النقيَّة.
وما الاكتفاء؟
– أَنكِ الينبوعُ فلا يَدهَمُني عطَش.
هـنـري زغـيـب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى