تحقيقات

تَأَخَّرَ رامبرانت فغَرقَتْ لوحتُه في البحر بقلم الشاعر هنري زغيب

 المصدر: بيروت- النهار العربي
في هذه البقعة تحطَّمَت السفينة على الصُخُور

في هذه البقعة تحطَّمَت السفينة على الصُخُور

بعد يومَين بالضبط (الخميس 8 شباط/فبراير الحالي) يَصدر بالإِنكليزية كتابُ “تاريخ العالَـم في حوادث 12 سفينة غارقة” في 304 صفحات عن منشورت وايْدنْفِلد ونيكلسون (تأَسسَت سنة 1949 في لندن) لمؤَلِّفه عالِـم الآثار البحرية البريطاني الدكتور ديفيد غيبينْزْ (م. 1962 في كندا)، يتحدَّث فيه عن كنوزٍ تحت الموج في عمْق البحر باقيةٍ عبر العصور من غرَق تلك السفُن الاثنَتَي عشرة.

فماذا عن رامبرانت في كل ذلك؟ وما علاقةُ لوحةٍ له بسفينةٍ محطَّمَة؟

غلافُ الكتاب الذي سيصدر بعد غدٍ الخميس

تأَخُّرُ رامبرانت   

لم تكُن حاضرةً لوحةُ المبدع الهولندي رامبرانت (1606-1669)  لتنتقل إِلى سفينة “سانتو كريستو دي كاستيلُّو” (سفينة تجارية لم تَقُم إِلَّا برحلة أُولى ووحيدة إِذ أَبحرت من أَمستردام سنة 1667 وتحطَّمَت في عاصفة هائلة على صخورِ شاطئٍ قُرب خليج مُولْيُون في منطقة كورنْوُول – إِنكلترا). فما قصة اللوحة؟ وما علاقتها بالسفينة المحطمة؟

كان من المتوقَّع أَن يُنْجز رامبرانت لوحتَه في تاريخٍ محدَّد تَعيَّنَ معه موعدُ إِقلاع السفينة. لكنَّ رامبرانت تأَخَّر أَسابيع عن موعد الإِنجاز وتأَخَّر إِقلاع السفينة فأَبحرَت في ظروف طبيعية صعبة وقاسية حتى ارتطمت بالصخور وغرقَت وضاع كلُّ ما فيها. ولو انَّ رامبرانت أَنجز اللوحة وأَقلعَت السفينة في موعدها لكانت اجتازَت بهُدوءٍ منطقةَ الأَنواء البحرية المرعبة وبلغَت مرفأَها بأَمانٍ ووصلَ كلُّ ما فيها من بضائع وكنوز.

رامبرنت: تأَخَّرَ في تسليم اللوحة فغرقَت مع حُطام السفينة

 

قصة اللوحة والسفينة

  مؤلِّف الكتاب، ديفيد غيبينْزْ، روى قصة تينِك اللوحة والسفينة: كان لورنزو فيفيانو، قبطان السفينة، تابع بأَناةٍ لفترةٍ طويلة بناءَها في أَمستردام. وعند إِنجازها لم يُبْحر بها، في انتظار أَن يُنْجز رامبرانت لوحةً أَوصاه عليها دوق جَنَوى. هكذا بقيَت السفينة في أَمستردام طيلة ذاك الشتاء الثلجيّ القاسي، حتى وصَلَت اللوحة فأَقلعَت السفينة من مرفإِ أَمستردام لتواجه خطرًا مرعبًا أَكيدًا في عبور تلك المنطقة البحرية بحاذاة الأَطلسي، ووُجهتُها إِسبانيا وإِيطاليا، لكنها انحرفت عند شبه جزيرة  ليزارد (جنوبيّ كورنْوُول – إِنكلترا) فضربتْها الأَنواء الغاضبة وحطَّمتْها.

حقَّق المؤَلف ديفيد غيبينْزْ اكتشافًا مهمًّا في تنقيباته حين اطَّلع سنة 2006 على رسائلَ بين محفوظات أُسرة صاوْلي (إِحدى أَغنى الأُسَر في جَنَوى)، فيها ذكْرٌ لبازيليك “سانتا ماريَّا سيِّدة الصُعُود” (في منطقة أَسِّيرجي، وسط إِيطاليا)، وهي كنيسة خاصة بالأُسرة. والعلاقة باللوحة أَن دوق جَنَوى فرنشسكو ماريا صاولي (1622-1699) قرَّر أَن يطرِّز الكنيسة بلوحات فنية، بينها لوحة كبيرة فوق المذبح تمثِّل “صعود العذراء إِلى السماء”، كلَّف لها الرسام الهولندي رامبرانت.

مولي غيبينْزْ تتفقَّد المدفع الصدئ الغارقَ في قعر البحر

قبل هبوب العاصفة

كان لفرنشسكو أَسْهُمٌ تجارية في السفينة التي كانت تُبنى في أَمستردام، فطلب من وكيله ومن قبطان السفينة مفاوَضَة الرسام على اللوحة. وهكذا حصل، وكتب الوكيل إِلى فرنشسكو يعْلِمُهُ بقبول الرسام الطلَبَ وبأَنه سيرسم اللوحة كما يطلبُها الدوق. وجاء في الرسالة أَن الرسام يطلب مُسْبَقًا مبلغًا كبيرًا من المال، وأَنه لن يبدأَ بالرسم إِلَّا عندما يتسلَّم المبلغ. وكان له ما أَراد.

بعد أَسابيع، كتب القبطان فيفيانو إِلى فرنشسكو مبديًا تخوُّفه من وضع البحر الهائج بسبب تأَخُّر الرسام في إِنجاز اللوحة. من هذه العبارة في الرسالة، ومن وُرُود اسم فيفيانو فيها، استنتج المؤَلِّف الدكتور ديفيد غريبينْزْ أَن المقصودة في الأَمر هي سفينة “سانتو كريستو دي كاستيلُّو”. وأَكَّدَت على ذلك أَيضًا تنقيباتُ الباحثَيْن الإِيطاليَّيْن لوقا لو باسُّو (م. 1972 – أُستاذ في جامعة جَنَوى) وريناتو جياني ريديلَّا (خبير لدى مختبر الأَبحاث البحرية في جَنَوى).

اكتشاف الحطام وبدءُ الغطس على البقايا

حطام السفينة اكتشفَهُ سنة 1969 المصوِّر الفوتوغرافي الأَميركي بيتر ماكبْرايْد (الاختصاصي في التصوير تحت الماء) إِذ كان يغطس في تلك الناحية، فاكتشف بقايا سفينة محطَّمة وأَوعز إِلى فريق اختصاصي كي يغطس ويرى ما في تلك البقايا المحطَّمة.

كان ديفيد غيينْزْ أَول من غطس هناك سنة 2018، ووجد صعوبة قصوى في بلوغ القعر لأَن رواد الصيد البحري فجَّروا العمق من أَجل أَن يسحبوا منه مدفعًا قديمًا، ما راكم الوحول والبقايا فوق ما كان في ذاك العمق. واكتشف غيبينْز أن نحو 25 امرأة ورجلًا ماتوا غرقًا مع السفينة عهدئذٍ، وأَن ذاك المكان بالغ الخطورة بسبب رؤْيةٍ شبه معدومةٍ في تلك الظُلمة العميقة الكثيفة.

وبين ما تمكَّن من رؤْيته: مدفعٌ صدِئٌ ومئات الأَزرار الذهبية التي كانت في القرن السابع عشر توضع غوايةً على صدر الثوب أَو على الشعر. ثم كرر غطسه مجدَّدًا على ذاك الموقع، ومع ابنته مولِّي ومع مارك ميلْبُرن شريكه في تأْسيس “مركز كورنْوُول للآثار البحرية”.

المصلوب وجناح ملاك، قطعتان نحاسيتان لم تفقدا وهجهما

المصلوب وجناح ملاك

 بين ما اكتشفوا في تلك الغطسات: تمثالٌ نحاسيٌّ للمسيح المصلوب، وجناحُ ملاك، ولم يفقدا لونهُما النحاسيّ على الرغم من وجودهما تحت الماء طيلة 350 سنة. جمعوا كلَّ ما وجدوه وأَعدُّوا به تقريرًا إِلى “دائرة السفن الغارقة في المياه البريطانية” كما ينص قانونها.

أَما عن لوحة رامبرانت، ففي نصٍّ من أَحد أَبرز الخبراء دارسيه: البروفسور لاري سيلفر (أَحد المساهمين في تأْليف كتاب “المخاطر في فن عصر النهضة” لدى منشورات جامعة كمبردج) جاء أَن “رامبرانت، سنة 1656، كان مفْلسًا في حالة مأْساوية. والسبب: كان ساهم بمبلغ كبير من ماله لشراء أَسهُم في سفينة تجارية غرقَت في البحر، ما أَفقده كل ماله. وهكذا لا يكون ضحية شخص آخر في تلك المأْساة، بل ضحية كونه مستثمرًا في مشروع بحري خاسر بسبب غرق السفينة”.

جميع هذه التفاصيل تَصدر في هذين اليومين (الخميس بعد غدٍ: 8 شباط/فبراير الحالي) في كتاب “تاريخ العالَم في حوادث 12 سفينة غارقة” للباحث الدكتور ديفيد غيبينْز كا ذكرتُ في أَول هذا المقال.

زر الذهاب إلى الأعلى