تحقيقات

100 سنة على ولادة السوريالية (2 من 3) بقلم الشاعر هنري زغيب

المصدر: بيروت- النهار العربي

نادرًا ما عرف تاريخ الفنون تيارًا عَبَرَ فوق الأَعوام والعقود حتى بلغ 100 سنة.. السوريالية بلَغَتْها، وكسرَت طوق التقاليد الاتِّباعية التقليدية، وفعلَت فعْلَها العميق، وما زالت ذاتَ أَثر كبير على طريقة التفكير والكتابة والرسم، وتأْثير بّيِّن على نهج لا يزال اليوم ذا أَبجدية معاصرة في قاموس الشعر والرسم.
في الجزء الأَول من هذه الثلاثية عن تاريخ السوريالية لمناسبة مرور 100 سنة على ولادتها، سردتُ ظروف تأْسيسها مع الأَعلام الذين أَطلقوها.

في هذه الجزء أَعرض اثنين من أُولئك المؤَسسين الرسامين: ماكس إِرنست ورينه ماغريت.

شُرُوق السوريالية

سجَّل ظهور السوريالية نقطة بارزة للآداب والفنون في فترة ما بين الحربَين العالميتين الأُولى والثانية. وكما تلك المرحلة صبغَت أُوروبا في تلك الفترة بين الحرب والسلْم، هكذا صبغَت أَيضًا التيارات الفنية والأَدبية بين الحلم والواقع، وتَواصَلَ ذلك طوال العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، حين انتقلت السوريالية من فكرة هامشية فانتزية، لتصبح مادة أَدبية وفنية شعبية، كرَّسَها معرضان:

– الأَول في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 1925: سُمّي “المعرض السوريالي” لدى “صالة بيار كُولّ Colle” وشهد أَعمال كلي ومان راي وإرنست وميرو ودوشيريكو وبيار رُوْيْ، ومعهم بيكاسو فعرض فيه لوحة تكعيبية بتشجيع من بروتون الذي أَراد إِدخال أَشهر رسام معاصر فترتئذٍ إِلى الجو السوريالي. ومع أَن العارضين كانوا رسامين مكرَّسين، حمَلَ المعرض بصمة أَندريه بروتون.

– الآخَر كان “المعرض السوريالي الدولي” في 17 كانون الثاني/يناير 1938 لدى صالة “جورج ويلْدِنْشْتاين للفنون الجميلة”، ضم فريق معرض 1925 وآخرين معهم، رعاه الشاعران أَندريه بروتون وبول إِيلُوار، وشارك فيه دوشان ودالي وإِرنست كمستشارين، وشهد المعرض نحو 300 لوحة من 60 رسامًا من 14 بلدًا. وفي ذاك المعرض تولَّـى مان راي هندسة الإِضاءة على اللوحات، وتولَّـى الفنان النمساوي المكسيكي وولفغانغ بالن (1905-1959) مدخل الصالة بوضعه أَغصانًا وأَوراقَ شجر وتوليفةَ سلفادور دالي الغرائبية “تاكسي المطر” (سيارة مغلَّفة بأَوراق شجر تجلس فيها عارضة أَزياء والمطر ينهمر). ومع أَن دوشان لم ينضمَّ رسميًّا إِلى فريق السورياليين، دلَّى من سقف الغرفة الأَخيرة مئاتِ أَكياس الفحم محشوةً بأَوراق صحف. وليلة افتتاح المعرض، أُطفِئَت الأَنوار كي يستخدم الحضور أَضواء المصابيح اليدوية، فكان الافتتاح، شكلً ومضمونًا، حدثًا مفصليًّا لافتًا في تاريخ الحركة السوريالية.

سلفادور دالي: “تاكسي المطر” (على مدخل صالة العرض – 1940)

ماكس إرنسْت

في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي أَخذت أَعداد السورياليين تتنامى باطِّراد، ومنهم بعيدون كالياباني كوغا هارو الذي رسم انطباعات عن العصر الصناعي والعسكريتاري في اليابان.

الفنان الذي يجسِّد النقلة الواضحة من الدادائية إلى السوريالية هو ماكس إِرنست (1891-1976)، وُلد في بلدة قرب كولونيا (على ضفة نهر الراين الأَلماني). سنة 1914 أُرغمَ على الخدمة العسكرية فلاقى في الحرب ويلاتٍ رهيبةً كانت خلفية واضحة لفنه لاحقًا. سكَن في كولونيا عند مطلع العشرينات معتمدًا فن اللصق (الكولَّاج) من قصاصات كان يجمعها ويلوِّنها على مزاجه، منها مثلًا درْس مادة في صف البيولوجيا يصف انقسام النواة في بعض النباتات. كان يقلب اللوحة عكسيًّا ويضيف خلفيةً سوداءَ وعناصرَ أُخرى تحوّل تلك النباتات لاعبين في سيرك يمشُون على حبل رفيع.

ومع أَن أَعمالًا كتلك اللوحة تأْتي من الدادائية الفوضوية، انتقل إِرنست سنة 1923 إِلى وُجهة أَكثر غُمُوضًا وإِلغازًا: من فن اللصق إِلى رسم مشاهد غريبة مثل لوحة “امرأَة، رجل عجوز، وامرأَةٌ زهرة” (1923-1924). وبعد مَطَالعه في كولونيا، انتقل إِلى باريس، وبتلك اللوحة انغمس كليًّا في الحركة السوريالية. من هنا طوَّر في لوحاته تقنياتٍ جديدةً بين اللصق والتلوين الغرائبيّ واستخدام ورق نفايات وقماش طري يُلصقه على صفائح خشبية صغيرة وقطع زجاجية على مادة الزيت الملون. وبهذا الخليط أَطْلع غرائبية جديدة في مسيرته السوريالية. وبدا ذلك واضحًا في لوحته “أُوروبا بعد المطر – رقم 2” (1940-1942) وهي تصوّر القارة الأُوروبية في مشهد خرابٍ أَبوكاليبتي مُرَوِّع رهيب.

ماكس إِرنست: “امرأَة، رجل عجوز، وامرأَة زهرة” (1923)

رُنيه ماغريت

بعدما برع البلجيكي رُنيه ماغريت (1898-1967) في لوحاته الواقعية، برع أَيضًا في دخوله السوريالية التي لاقاه روادُها بترحاب كبير. ذلك أَنه تخطَّى المشهدية المأْلوفة إِلى بُعدٍ غير مأْلوف عمَّا كان يمكن أَن يُشير إِليه المشهد أَو المنظر أَو الشخص في اللوحات التقليدية. فلوحاته الشهيرة: “العاشقان” (1928 عن عاشقَين يتبادلان قبلة حميمة فيما رأْساهما ملفوفان بقماش سميك)، و”غير قابل للتقليد” (1937، عن رجل يرى رأْسه من الخلْف في المرآة)، و”الزمن المجمّد المذهول” (1938 عن مقطورة قطار طالعة من موقدة)، و”غولكوندا” (1953 عن زخَّة مطر قوية يتساقط منها رجال أَعمال)، وسواها أَيضًا، كسرَت كل علاقة مع أَيِّ تيار سابق ذي توقعات لتفسير اللوحة، فجعل تفسيرَ لوحاته مفتوحًا على عدد كبير (وغريب وغير مأْلوف) من الاحتمالات.

رُنيه ماغريت: “العاشقان” (1928)

من هنا أَنّ لوحاته لم تقتصر على الإدهاش الـمُسبَق فقط في تفسير ما كان يمكن تفسيرُهُ مسْبَقًا، بل خرَّبَت عمدًا  كلَّ لغة يمكن بها أَن يتمَّ أَيُّ تفسير. ويظهر ذلك في عددٍ من لوحاته، بينها مثلًا لوحة “هذا ليس غليونًا” (1929 عن غليونٍ له أَكثرُ من تفسير، ولو غرائبيّ، عن أَنه في حقيقته الظاهرة مجرد غليون للتدخين). وهو أَرادَ إِثباتَ أَنَّ شكلًا ما نراه، يكون له تفسير غيرُ الذي نراه فيه.

رُنيه ماغريت: “هذا ليس غليونًا” (1929)

         ماذا بعد عن أَعلام السوريالية؟

         وكيف تطوّرَت حتى اليوم؟

         هذا ما أُفصِّله في الجزء الثالث من هذا الثلاثية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى