بأقلامنا

بِـحرب الكبار شو ذنْب الطفولِه؟ بقلم الشاعر هنري زغيب

“نقطة على الحرف”- الحلقة 1538
“صوت كلّ لبنان”
الأَحد 17 تشرين الأَول 2021

أَوجعُ ما يَصدُم في أَحداث هذا الأُسبوع: صُورتَان بين صُوَر بليغة سجَّلتْها عدَسات مصوِّري جريدتنا الكُبرى “النهار” (عدد الجمعة أَول من أَمس) ، وصدَرَت على جبين الصفحة الأُولى: صورةُ تلامذة صغار مكوَّمين في رواق المدرسة، محجورين خلف كِمامَتَين: واحدةٍ على أَفواهِهم وأُنوفِهم والأُخرى في عيونهم الخائفة، وصورةُ جنديٍّ نبيلٍ من جيش لبنان البطل يَحمل طفلة يَهرُب بها ووراءَها أُمُّها المذعورة.
أَيُّ قهرٍ هذا؟ وأَيُّ اعتداءٍ على الطفولة! كيف يُمكن في لحظاتٍ تهديمُ البراءة التي تَستنفد من الأَهل عمرًا كاملًا كي لا يَخدُشَ طهرَها لـمْحٌ أَو ارتكاب. كيف نفسِّر لهؤُلاء الصغار أَنَّ لعبةَ الكبار قاتلةٌ ولن يَفهموا ما وراءَها ومَن وراءَها؟
يَسأَل طفلٌ والدَه في البيت: “مين عمبيقوِّص علينا”؟ “شو يعني قنَّاص”؟ تَسأَل طفلةٌ خائفةٌ أُمَّها المذعورة: “ليش عمبيصير هيك”؟ “شو يعني شرقيِّه وغربيِّه”. يسأَل فتى في العاشرة أَباه المتبحِّر في صمتٍ جريح: “بالمدرسة سمعْتْ شي إِسمو خطوط التماس. شو يعني خطوط التماس”؟ تَسأَل فتاةٌ خالَها الصحافي: “شو يعني فيه بلبنان إِسلام ومسيحيِّه”؟
قاتلةٌ هذه الأَسئلة أَكثر من الرصاص القاتل. كيف نجيبُ عنها، وعن مطرٍ سواها من أَسئلة الصغار الذين هُرِّبوا نهارَ الخميس الماضي من مدارسهم وسْط أَصوات القذائف وجنون الرصاص وبكاء معلِّمات وتراكُض معلِّمين؟
معظمُ الآباء والأُمهات اليوم، كانوا صغارًا أَيامَ حرب السنتَين وما تناسلَ بعدها من سنوات، وربما لم يكونوا وُلِدوا بعد، وسَمعوا ويلاتها من آبائهم، حتى كان الخميسُ الأَسْوَد هذا الأُسبوع فعاشوا ميدانيًّا ما كان آباؤُهم يَروُون لهم عنه نظريًّا واستعاديًّا.
كيف يُمكن هؤُلاءِ الآباء أَن يَشرحوا لأَطفالهم اليوم ما كانوا يسمعونه بالأَمس من آبائهم عن خطوط تماسّ، وتباغُض طائفي، وتباعُد حزبي، وتنافُر سياسي، واصطفافات مذهبية وفئوية وتخاصصية، وما إِلى ذلك من مصطلحات وتعابير وكلمات وقاموس وأَقوال ظنَّها آباءُ اليوم زالت ولم يَعُد من داعٍ لإِبلاغها أَطفالهم كي يعيشَ أَطفالهم وسْط مناخ هادئ هانئ في لبنان واحد موحَّد لا تَنهشُه الطائفية ولا تهشِّمُه تفكُّكات السلطة والدولة وحكَّامِها الأَنانيين الاصطفافيين.
سواءٌ فَهِمَ أَطفالُ اليوم ما جرى وكيف ولماذا، وسواءٌ أَجاب آباؤُهم عن الأَسئلة البريئة تنهال عليهم من براءَة الأَطفال، وسواءٌ فَبركوا أَجوبةً تُقْنع الأَطفال أَو تُفْهِمهم أَو تتهرَّب من أَجوبتهم، يَبقى أَن الطفولة انْخَدَشت هذا الأُسبوع. وقد يَنسى أَهاليهم مع الوقت ما جرى، لكنَّ الأَطفالَ لن تَنسى ذاكرتُهم البيضاءُ طَوال حياتهم ذُعْرَ 14 تشرين الأَول نهارًا مرعبًا انَحفَرَ بالأَسْوَد في بياض براءَتهم.
ولن يَفهمَ الأَطفال كيف ولماذا يكونُ ما يكونُ من أَجل الانتصار لسياسيٍّ أَو أَن يَسقُط ضحايا وجرحى من أَجل تثْبيتِ موقفٍ أَو رفْضِ موقف، أَو مَن هو هذا السياسيُّ الذي يستاهل أَن يَموتَ من أَجله أَو بسبَبِه شابٌّ في اشتباكٍ أَو مواطنٌ برصاصةِ قنَّاص.
لن يفهمَ الأَطفال، والأَفضلُ أَلَّا يَفهَموا، كي يَظَلُّوا يُحبُّون لبنان ويَنتمون إِليه، ولا ذنْبَ لهم كي يَفهموا ما يُشَوِّهُ في بالهم صورةَ لبنان. في مسرحية “پترا” للأَخوَين رحباني (1978) تَصرخ ملكة پترا بصوت الخالدة فيروز: “بِحَرب الكبار شو ذَنْب الطُفُولِه”؟ هذه الصرخةُ الفنيةُ الموجِعةُ قبل 43 سنة لاقتْها هذا الأُسبوع صرخةٌ فنيةٌ كذلك موجِعةٌ بريشة المبدع أَرمان حمصي في “النهار” (عدد الجمعة) برسْمه الكاريكاتوري وفيه تلميذٌ رسَم بيتًا يُرفرف عليه عَلَمُ لبنان، فوق البيت فُتحة متشظِّيةٌ، حولَها خطوطٌ كالأَشعة، وإِصبعُ أُمه تَسأَلُه عن الفُتحة المتشظِّيَة، فيُجيب ابنُها: “لأْ. هيدي مش شمس. هيدي… رصاصة”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى