أَصدقُ الدُعاء: أَن نستحقَّ لبنان بقلم الشاعر هنري زغيب

أَصدقُ الدُعاء: أَن نستحقَّ لبنان
“نقطة على الحرف”
الحلقة 1757
“صوت كلّ لبنان”
الأَحد 4 كانون الثاني 2026
مع فجر السنة الجديدة، تهاطلَت الأَدعيةُ بالخير والصحَّة والنجاح. وغالبًا ما ترادفَت بدُعاءِ أَن تكون الجديدةُ سنةَ خيرٍ وسلامٍ للُبنان، يتعافى خلالها من أَزماته الموجِعة. ولأَن الدعاءَ غالبًا ما يكون لفظيًّا، يَغُور فورَ التلفُّظِ به، ويعودُ كلٌّ إِلى طبعه وطبيعته في النقِّ واللَوم والعتَب وإِلقاء السبَب على الدولة. لذا تبقى الأَدعية الوطنيةُ جوفاءَ من معناها، إِلَّا إِذا ترافقت عمليًّا وفعليًّا وميدانيًّا بما يَثْبُتُ معه إِيمانُ الداعي بما يأْتي في دعائه عن لُبنان.
أَيُّ رئيسٍ للجمهورية عليه أَن يطَبِّقَ فعليًّا وعمليًّا قسَمَه الوارد في المادة 50 من دستور لبنان: “أُقسِمُ بالله العظيم أَن أَحترمَ دستورَ الأُمَّة اللبنانية وقوانينَها، وأَحفظَ استقلالَ الوطن اللبناني وسلامةَ أَراضيه”. وأَيُّ منتسبٍ إِلى السلْك العسكريّ يُطبِّقُ ميدانيًّا، حتى الاستشهاد، قسَمَه المقدَّس: “أُقسِمُ بالله العظيم أَن أُحافظَ على عَلَم بلادي، دفاعًا عن وطني لبنان”.
لذا، على كلِّ مواطنٍ لبنانيٍّ أَن يطبِّقَ دعاءَه يوم العيد ويعملَ كلَّ يومٍ لِلُبنان في وظيفته أَو مهنته أَو عمَله. هكذا يتعافى الوطن بتطبيق أَدعيةِ أَبنائه عمليًّا لا لفظيًّا عند تبادُل التهاني بالأَعياد. الكاتبُ فَلْيَكتُب، والعاملُ فَلْيَعْمَل، والموظَّفُ فَلْيَصْدُق، والمسؤُول فلْيُخْلِصْ، والحاكم فَلْيَحزِم وينفِّذ. عندئذٍ يَتَبادَلون التهاني فتكونُ أَدعيتُهُم صادقةً لا لفظيةً مجانية. ومَن يتمثَّلُ بمقولة جون كيندي: “لا تَقُلْ ماذا فعل لي وطني، بل قُل ماذا فعلتُ أَنا لوطني”، فلْيَفْهَم أَمرَين: أَنَّ هذا القول استعاره من جبران كاتبُ خُطَب كيندي، وأَنَّ هذا القولَ جوابٌ صافعٌ كلَّ مَن ينِقُّ ويشكو ويتذمَّر من تقصير الدولة حياله خصوصًا وحيال أَبنائها عمومًا.
لستُ هنا لأُدافعَ عن الدولة ولا عن أَركان الحكم، بل لأُدافع عن لبنان الوطن، الوطن الاستثنائي الذي أَنتمي إِلى أَرضِه وتراثِه وتاريخِه وطبيعتِه وأَعلامِه، وهو الذي، من مهمَّتي ككاتب، أَعمل بكتاباتي كي أَستحقَّ أَرضَه وتراثَه وتاريخَه وطبيعتَه وأَعلامَه.
وإِنني، إِذ أَعملُ، فلا للدولة المتغيِّرة بتَغَيُّر ساستها، ولا لأَهل السلطة الزائلة بزوال أَركانها، بل أَعمل لوطني الاستثنائي الذي أَعرف تمامًا كيف ولماذا هو استثنائي. ومن يقلِب شفتيه وهو يسمعني الآن أَو يقرأُني لاحقًا أَني أُسمِّي لبنان الاستثنائي، فقبْل شفتيه ليقْلِبْ عقلَه ويطَّلعْ على عطاءَات لبنان في التاريخ والحضارة، وعندها سينافسُني في الإِيمان والعمل كي نستحقَّ معًا لبنان وطنًا يحمينا.
ليس المهمُّ أَن نَكبُر نحنُ بآبائنا وأَسلافنا. الأَهمُّ أَن يكبُروا هُمُ بنا. وليس المهمُّ أَن نفتخرَ نحن بالأَرز. الأَهمُّ أَن يفتخرَ الأَرزُ بنا. وليس المهمُّ أَن نعتز نحن بالوطن. الأَهمُّ أَن يعتزَّ الوطنُ بنا.
كيف يكون الاعتزازُ بنا والفَخار والكِبَر؟ يكون بأَن نستحقَّ رضا أَسلافنا والأَرز والوطن.
وكيف نستحقُّ رضاهم؟ بأَن نعملَ في تفاؤُلٍ بدون تَشاؤُم سهلٍ مَرَضي غير ذكي. وأَن نكونَ إِيجابيين من دون سلبيَّة مريضة. وأَن نبقى مُصْلحين بلا رفْضٍ كلَّ أَمرٍ مُسْبَقًا. وأَلَّا نظلَّ نقَّاقين بَشِعين كالِـحي الوجوه، ساخرين من كلِّ شَيْء، غارقين في التنظير وكثْرة الحكي المريض، وإِبداء الآراء المرتجَلَة اللامسؤُولة المجانية في جلسات المقاهي والحلَقات الخاصة والعامة. فَلْنُقرِّر ونُنَظِّمْ ونَعملْ.
الدعاءُ أَن يكون لُبنانُ أَفضلَ في العام الجديد؟ فَلْنَعمَل لهذا الدُعاء فعلًا وجِدًّا وإِيمانًا.
عندها فقط نَشعُر بأَنَّ أَصدقَ الدُعاءَ: أَنْ نَعمَلَ نَعمَلَ نعملَ… كي نستحقَّ لبنان.
هـنـري زغـيـب
الصورة المُرفَقَة:
لوحة بريشة ساندرا صهيون






