خامسة الياس الرحباني: حضُورُ الغياب مثالًا بقلم الشاعر هنري زغيب
خامسة الياس الرحباني: حضُورُ الغياب مثالًا

هنري زغيب*
بعد خمسين سنةً من صداقتي معه، كنتُ أَحسب أَيامنا معًا نزهةً إِلى المطلق لا تنتهي. كلانا كان نبضًا واحدًا من حيويةٍ لا تتعب، ونتاجٍ لا يهدأ. حتى كان الرابع من كانون الثاني/يناير 2021، صباحَ أَفقْتُ ولم يكُن. اليوم، في الرابع من هذا الشهر ذاته، وفي الذكرى الخامسة لغيابه، أَراني أَذهب إِليه، لا استذكارًا غيابَه، بل تحيةً إِليه، هو الْـمازَال حضورُه معي، وبيننا، وفي الوسط الفني، نابضًا كما لو انَّ الغياب فاصلة لا تقطع السطر إِلى سطر جديد.
أَكاديميا واستعادات
حين دعاني إِلى افتتاح “أَكاديميا الياس الرحباني” في ضبيّه (تمُّوز/يوليو 2015) كان في عينيه نورُ غبطةٍ شاءَها له ابنه غسان تاجًا على جبين والدٍ ليس أَغلى لديه من أَن تكون على اسمه مدرسة موسيقية تخلِّدُ اسمَه لكل جيل. بعد غيابه، أَزهرت “الأَكاديميا”، بفضل غسان، فروعًا منتجة في السوديكو (بيروت)، وطرابلس، وجامعة البلمند، وبعبدا. وفيما ابنُه الآخر جاد يواصل أَعماله الموسيقية في “ستوديو الياس الرحباني”، ويقدِّم النقيَّ من النتاج الفني، تتوالى على مسارحَ عدةٍ في لبنان والخارج أُمسيات كاملة من أَعماله، يحرص غسان في معظمها أَن تكون من أَغاني والده وموسيقاه.

الياس كما يرى عاصي
عاش الياس في فَيء قناعةِ أَنَّ لشقيقَيه عاصي ومنصور فضلًا على نشأَته واتجاهه إِلى الموسيقى. وهو لم يتوقَّف يومًا عن ترجمة هذا الشعور الأَخَوي. وحين غاب عاصي (21 حزيران/يونيو 1986)، كتَم حُزنه فترةً، حتى كتب له مناجاةً صدرَت في الصفحة 26 من كتابه “نافذة القمر” (1998)، جاء فيها: “الليلةَ نُبحر بين الكواكب والأَقمار… الليلةَ تَنزل النجومُ تلهو على التلال، ودرجُ اللوز يستعجل العبير… الليلةَ تغطّي الحقولَ أَزهارٌ من لون بُحيرات الفجر… الليلةَ أَكتُب اسمكِ على الحور العتيق، وتكتُبين اسمي على رمل الطريق، والنحلُ يرسم دوائرَ ويدور في الفضاء يُفتِّش عن الأُغنية. الليلةَ يجيْءُ نيسان: الصبايا يُزَيِّنَّ الريح لعودة الخيَّالة، وعلى طريق كحلون تعطَّلت سيارة العرس. وحدَها العروس تبكي. الأَولاد يزيِّنون السماء بطائرات الورق، وفي بيت جدتي انطفأَ السهَر… الليلةَ تَرقص حوريَّات الجنّ على جسر القمر، فيما مدلج وفخر الدين على أَدراج بعلبك ينتظران إِشارة القائد. ها هو وصل… ها هو ينحني. التصفيق يعلو، لكنه غاب في التصفيق الكبير… المسرحية لن تُعرَض. القمر يسطَع في دموع الممثلين. الليلةَ نقول: “تعا ولا تجي”…”.

الياس كما يراه منصور
مساءَ الاثنين 30 آذار/مارس1998، كنا نفرح مع الياس باحتفال تكريمه (صالة مسرح “شاتوتريانون”- الزلقا – بيروت)، حين فاض فرحُنا بما لا تتسع له الكلمات لدى إِلقاء منصور كلمتَه عن شقيقه الأَصغر: “تَنزَّهْنا في مساكن الفَقر طويلًا. سَكَنَّا بيوتًا ليست بِــبُيوت. تلك طفولتُنا إِخوتي وأَنا. وكان الزمانُ بطيئًا، فالتعاسةُ سلحفاة. كان الصغيرُ الياس يتَّكئُ على حافة انتظاراته: لفتةٌ في اللهو ولفتةٌ في الحرمان. فالفَقر يُتْمٌ آخر.
كنتُ أَخترع له لُعَبًا. أَنسُج لجفْنَيه نُعاسًا من حكايات، وأَحتال عليه كلَّ صباح فَأَعِدُهُ بنزهة على حفافي أَقنيةٍ مائية تنتهي عند مدرسة الراهبات. كان يبكي ويثُور ويشتُمني. فالأَخ الياس واحدٌ من أَفراد قبيلة رَحبانية لم تكُن يومًا على عَلاقة جيِّدة مع المدرسة. ظلَّ الياس يتكاسل حتى صار عبقريًّا…
فيا صغيرَ الأَمس: كثيرًا ما كنَّا نخطفُكَ من رقادكَ الليليّ لتُغنِّي معنا في الحفلات. كان يُعذِّبُني صوتُكَ المبحوحُ الآتي من طفولةٍ مكسورة. كنا، وتَعذرُني اليوم، نصارع من أَجل تأْمين اليوميّ والضروريّ. لكنَّ الذي لم تكُن تَعرفُه أَنت، ولا نحن، أَننا كنا نلهو بأَفكارٍ وأَنغامٍ لا سابقَ لها. كنا الإِخْوَةَ المجهولين نُؤَسس زمَنًا فنيًا جديدًا سيجتاح هذا الشرق…
فيا رجلَ اليوم: أَربعون سنةً والينبوعُ الذي هو أَنتَ، يَفيض كشمس عالقة بين الثلج والزُرقة. أَنغامُكَ أَزهرَت، فأَصبحْتَ حقلًا أَسكَرَهُ التنوُّع. وأَرسلْتَ إِلى الشهرة كثيرين. أَربعون سنةً وأَنت تُجَوْهر عطاءَاتكَ حتى أَصبح العالم ملعبًا لكَ، يا فارسَ النغَم، فوقفْتَ على مسارح دُوَل الحضارة، منْتزِعًا جوائزَها الأُولى، لتَضْفُرَها لآلئَ في تاج لبنان.
ويا أَخي: تعرف أَنني لا أُحبُّ المديح، وأَنَّ فرَح العطاء هو المكافأَة. تمامًا كشجَرةٍ ثمارُها نضجَتْ، يَقطفُها العابرُ ويمضي، لا هو يُبادلها عرفان الجميل، ولا هي تَنتظر منه لفْتةَ شُكْر. لكنَّني اليوم، عندما بدأْتُ الكتابة عنكَ، تَـمَرَّدَ قلمي وامتشَقَ الكِبَر. فاسمح لي أَن أَتناسى أُخُوَّتي لكَ، وأَن أَشْلح جُبَّة التواضُع. فالحقيقةُ أَن تُعلَن، أَيُّها السيِّدُ الكبير. وإِني أُحيِّيكَ على امتداد الصوت والتاريخ”.
إلَّا واحدًا…
سحابةَ نصف قرن قضيتُ مع الحبيب الياس. كنا نفكِّر معًا، ونحلم معًا، كأَننا سنبقى معًا ولا غياب.
حَسِبْنا أُمورًا كثيرة للغَد.
إِلَّا واحدًا: لم نحسب حسابًا للموت.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: www.henrizoghaib.com أو عبر منصة (X): @HenriZoghaib
- يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دُبَي).



