أخبار لبنان

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك،

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين ومما جاء في خطبته السياسية:
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نعزّز في نفوسنا حسن الظّن بالله بأن نجسّد هذه القيمة وأن تكون حاضرة فينا عندما تواجهنا الابتلاءات والصّعوبات على المستوى الشّخصيّ أو العائليّ أو على مستوى الجماعة والأمّة وكلّما اشتدّت الأمور وتأزّمت بأن نرى الله في كلّ ذلك نعم المولى ونعم النّصير ونعم المعين… وأن نثق بعهوده ووعوده لنا، وبأنّه لا يريد بنا خيرًا حتّى لو ابتلينا وعانينا وتألّمنا وخسرنا…
وهو ما أشار إليه الله عزّ وجلّ في حديث قدسيّ لنبيّه موسى (ع): يا موسى، ما خلقت خلقًا أحبّ إليّ من عبدي المؤمن، وإنّي إنّما أبتليه لما هو خير له، وأعافيه لما هو خير له، وأنا أعلم بما يصلح عبدي عليه، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي، أكتبه في الصّدّيقين عندي إذا عمل برضاي وأطاع أمري.
وقد وعدنا أنّ من أحسن الظّن بالله سيحظى بما ظنّه به حيث ورد في الحديث عن رسول الله (ص): “والّذي لا إله غيره، لا يُحسن عبدٌ بالله عزّ وجلّ الظنَّ إلّا أعطاه الله ظنّه، ذلك أنّ الخير كلّه في يده”، وبذلك سنكون أقوى وأكثر قدرة على مواجهة التّحدّيات والأزمات والصّعوبات.
والبداية من الاعتداءات الإسرائيليّة الّتي شهدناها هذا الأسبوع والّتي استهدف العدوّ فيها العديد من البلدات الجنوبيّة وصولًا إلى البقاع وأدّت إلى تدمير بنى تحتيّة تستخدم للإعمار وإلى تهجير عشرات العائلات فيما تستمرّ عمليّات الاغتيال والتّفجير للمنازل في القرى الحدوديّة لمنع أهلها من العودة إليها، وقد لجأ العدوّ ولأوّل مرّة إلى رشّ مواد سامّة على الأحراج والأراضي الزّراعيّة للإضرار بها في اعتداء كبير على البيئة والمزروعات، ممّا أشار وزير الزّراعة إلى مدى خطورتها على الحياة وعلى الأرض والمياه والإنسان، فيما تستمرّ مسيّراته بهتك السّيادة اللّبنانيّة وتصل إلى العاصمة.
يجري كلّ ذلك وسط صمت الدّول الرّاعية للاتّفاق الّتي لا تزال ورغم ما يجري تستنكف عن القيام بالدّور المطلوب منها بإلزام العدوّ بتنفيذ ما التزم به تجاه لبنان بعد أن وفى لبنان بما عليه بل نجدها تمارس الضّغط على لبنان للقيام بأكثر ممّا هو مطلوب منه بموجب الاتّفاق. لقد أصبح من الواضح أنّ ما يجري يراد منه دفع البلد إلى الخيارات الّتي يريدها هذا العدوّ ويسعى إليها والّتي ستكون على حساب أمنه وسيادته على أرضه واستقراره مستفيدًا من القدرات الّتي يمتلكها وحريّة الحركة الّتي استمدّها من الدّعم الخارجيّ والّتي تجعله يمارس اعتداءاته من دون حسيب أو رقيب، ومن الانقسام الدّاخليّ الّذي لا يزال هذا البلد يعاني منه. إنّنا أمام ما يجري نحيّي أهلنا في الجنوب والبقاع الّذين يصرّون على البقاء في أرضهم والثّبات فيها والّذين يقدّمون في كلّ يوم أمثولة في التّضحية والفداء والصّبر وحبّ الأرض والوطن، رغم الأثمان الغالية الّتي يدفعونها من حياتهم وممتلكاتهم وأرزاقهم، وهم بذلك يفوّتون الفرصة على العدوّ في تحقيق هدفه وتيئيسهم لدفعهم للقبول بخياراته. وهنا ندعو الدّولة اللّبنانية إلى القيام بالدّور المطلوب منها لدعم صمودهم ورفدهم بكلّ ما يحتاجونه من وسائل الصّمود على الصّعيد الماديّ والمعنويّ وأن لا تدعهم يعانون وحدهم من جرّاء اعتداءات هذا العدوّ بل تكون لهم سندًا وعضدًا.
ونأمل أن تسهم المبادرة الّتي يقوم بها رئيس الحكومة بزيارة الجنوب ومعاينة معاناة أهله بالدّفع لتحقيق ما يتطلّعون إليه ممّا هو واجب على دولتهم، والّذي به تتعزّز ثقتهم بها.
في الوقت الّذي ندعو اللّبنانيّين جميعًا أن يكونوا سندًا وقوّة لمن يعانون من اعتداءات هذا العدوّ حتّى يشعروا أنّهم لا يعانون وحدهم بل الوطن كلّه بكلّ أطيافه ومذاهبه يقف معهم ما يعزّز صمودهم ويشدّ من أزرهم ويرسّخ الوحدة الوطنيّة الّتي ستكون نتائجها ليس لحسابهم فقط بل لحساب البلد كلّه واللّبنانيّين جميعًا.
في الوقت الّذي نريد للّبنانيّين أن يكونوا واعين جيّدًا للمخاطر القادمة الّتي لا بدّ أن تنعكس على لبنان وأن يتوحّدوا في مواجهتها، وأن يكون التّعامل معها وفق مصلحة هذا البلد لا مصلحة هذه الطّائفة أو تلك أو هذا المذهب أو ذاك أو هذه الجهة أو تلك. إنّ على اللّبنانيّين أن يعوا أنّهم في مركب واحد إن غرق فإنّه يغرق الجميع وإن سلم يسلمون جميعًا.
نبقى في الدّاخل، لنعيد التّأكيد على الدّولة ضرورة الإصغاء جيّدًا إلى مطالب القطاع العام والمعلّمين في المدارس لضمان حقوقهم وجعلهم قادرين على القيام بمسؤوليّاتهم لتسير عجلة الدّولة والمواطنين والتّعليم في المدارس الرّسميّة والاستمرار بالعمل لاستعادة المودعين لأموالهم… وفي الوقت نفسه فإنّنا نقف مع كلّ الدّاعين لإجراء الانتخابات في وقتها حتّى يتاح للشّعب اللّبنانيّ أن يختار ممثّليه القادرين على القيام بمسؤوليّته وحمل همومه وإخراج هذا البلد من تحت نير الفساد والمحاصصة واستعادة أرضه وسيادته عليها.
ونصل إلى الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران الّتي لا تزال تواجه التّحدّي الّذي ينتجه حشد الأساطيل الحربيّة الّتي تهدف إلى منع إيران من حقّها بالسّيادة على أرضها وثرواتها والاستفادة من التّقنيّة النّوويّة السّلميّة بما يعزّز من موقعها العلميّ ونهضتها الصّناعيّة والتّقنيّة والطّبيّة.
إنّنا أمام ما يجري نثق بحكمة قيادتها في التّعامل مع هذا التّحدي، وهنا نضمّ صوتنا إلى كلّ الأصوات الّتي دانت الإساءة والتّهديدات لمقام قائد الجمهوريّة الإسلاميّة والموقع الدّينيّ الّذي يمثّله والدّور الّذي يقوم به على الصّعيد الإسلاميّ والعالميّ ونأمل أن تنجح كلّ الجهود الّتي تبذل من أجل التّوصّل إلى صيغة اتّفاق تضمن حصول إيران على حقوقها وتحول دون التّداعيات الخطيرة الّتي تنتج من الحرب إذا اندلعت، والّتي لن تقف تأثيراتها عند حدود إيران بل قد تتجاوزها إلى المنطقة كلّها…
ونصل إلى غزّة حيث يستمرّ العدوّ في خرق للاتّفاق من خلال مضيه في عمليّات الاغتيال والقتل والتّدمير والحصار وهو ما يستكمل في الضّفّة الغربيّة… إنّنا أمام ذلك نجدّد دعوتنا للدّول الرّاعية للاتّفاق إلى القيام بمسؤوليّتها بردع العدوّ عن الاستمرار بخرقه والعبث به في الوقت الّذي ندعو الدّول العربيّة والإسلاميّة إلى تحمّل مسؤوليّتها لحماية الشّعب الفلسطينيّ ومنع استمرار عمليّة الإبادة والتّهجير الّذي يواجهه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى