بأقلامنا

                                        تغييب الحوار ورئيس لبناني تختاره واشنطن من هؤلاء بقلم عبد الهادي محفوظ

 

في الأزمات الحادة يحكم المجتمع السياسي اللبناني ’’الجنون‘‘. هذا ما كان استنتجه القس البروتستانتي ابيكاريوس الذي عايش الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1860 في كتابه ’’ حسر اللثام عن بلاد الشام‘‘. إذ يؤثر هذا ’’المجتمع‘‘ على تعميق الخلافات إلى حد الفتنة واستبعاد الحوار في معالجة مشاكله العميقة.

واقع الحال أن الحوار الذي دعا إليه الرئيس نبيه بري لايجاد مخرج للمأزق الرئاسي اللبناني يندرج في سياق التداخل بين عاملين: العامل الداخلي والعامل الخارجي وغلبة الأخير في المعادلة وإقحام المسألة الرئاسية إلى المساومة مع الخارج بحكم غياب إرادة سياسية لبنانية واحدة وبحكم عدم قدرة ’’الدولة الرخوة‘‘ عن معالجة الأزمات الداخلية المعيشية والمالية والصحية وترك الأمور الأساسية لفعل القدر بحيث يصبح البديل في ايجاد المخارج المؤقتة جمعيات في المجتمع المدني ممولة من الخارج أو حزاب سياسية تلبي حاجات ’’جماعاتها‘‘… وكل ذلك يؤدي إلى ’’دولة مشلولة‘‘ وإلى بطالة الشباب والشابات وإلى الهجرة وإلى مسرح للفتن الأهلية وصعود التنظيمات الدينية المتطرفة.

عجز ’’الداخل‘‘ عن الحوار واللقاء على قواسم مشتركة حول ’’رئيس نزيه توافقي‘‘ يضفي إلى أمرين متلازمين: هيمنة الخارج الدولي والاقليمي في الشأن اللبناني. وإطالة الأزمة الرئاسية بعد أن كان متوقعا ’’الإفراج‘‘ عن رئيس جديد بعد شهرين. إذ ثمة مخاوف من أن تطول الأزمة إلى أبعد مما يتوقعه اللبنانيون بما فيه مراجعهم السياسية، ما يرفع من وتيرة الإنهيارات المحلية وإلى تعميق نظرية ’’الأمن الذاتي‘‘ التي تبدأ في حي أو زاروب وتتدحرج إلى كل الزواريب.

هذا يعني أن الحوار الداخلي معطل وبديله هو حوار الكواليس. ما يسستتبع أن ’’الصيغة اللبنانية العجيبة‘‘ لا غالب ولا مغلوب والتي شكلت تاريخيا ’’مخرجا‘‘ لعلاقة القوى السياسية الطوائفية المتنافرة غير قابلة للتحقق استجابة لمعطيات محلية وداخلية. فالتسوية ستكون منتوج ’’الخارج الدولي الاقليمي‘‘ وبمنسوب لبناني ضعيف ويكاد لا يذكر. ومن هنا فإن ’’الإتجاه الدولي – الاقليمي‘‘ هو إلى إرباك الفاعل المحلي الرئاسي الممثل بحزب الله. وهذا الإرباك يستهدف علاقاته بحلفائه. والمقصود بالإتجاه الدولي – الاقليمي، العلاقات السعودية الفرنسية وأدوار قطر والامارات وحسابات ايران وتركيا وسوريا في الشأن اللبناني. أما واشنطن فهي الفاعل الخارجي الرئيسي الذي يراقب المشهد اللبناني في كل تشعباته وتعقيداته للوصول بالرئيس الذي تريده سواء كان رئيسا ضعيفا أم رئيسا ’’قويا‘‘. وهي تعمل على الخيارين معا. إذ تدرك سلفا أن أي ’’رئيس لبناني ‘‘ تريده يحتاج إلى موافقة حزب الله الذي يريد بدوره ضمانات. وواشنطن تعمل على الحد من حجم هذه الضمانات. وهكذا نحن أمام جلسات انتخابية لن تنتج رئيسا. فالمرشح الرئاسي ميشال معوض أمامه استعصاءات. والمرشح سليمان فرنجية يعترض عليه كل من رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ورئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع وهو يحتاج إلى كسر هذا الاعتراض بأن ينجح حزب الله في كسب باسيل لتأييده، وهذا يقارب الإستحالة أو في إعلان السعودية علنا تأييده وجذب جعجع لهذا الموقف. وهذا أشبه بلوحة سريالية إلا إذا نجحت الرياض في ضمان سلفا من يكون رئيس الحكومة القادم الذي تسميه. وهذا بدوره يفترض ’’تفاهما سعوديا ايرانيا‘‘ شجعت عليه دولة الصين وهو مؤجل.

لا شك أن هناك ’’إشارات اقليمية خليجية‘‘ وتحديدا قطرية تدعم مجيء قائد الجيش الجنرال جوزيف عون رئيسا للجمهورية. وازاء هذه الإشارات ليس هناك من موقف أميركي معلن وإن كانت واشنطن لا تعارض ذلك, وهذه ’’الإشارات‘‘ بحاجة بشكل أساسي إلى إعلان القوتين المسيحيتين الأساسيتين ’’التيار والقوات‘‘ إلى تأييد عون، وهذا أمر غير مضمون. ففي ظل الخلافات المستحكمة بين جبران باسيل وسمير جعجع قد لا تكون مصلحة لهما بأن تكون المؤسسة العسكرية هي اللاعب الاقوى في المجتمع المسيحي ناهيك عن حسابات أطراف أخرى بما فيها حزب الله تريد أجوبة على أسئلة محددة. ومع ذلك كل شيء ممكن خصوصا إذا كان الوضع على أبواب انفجارات أمنية غير متوقعة.

واشنطن هي الرابحة في الموضوع الرئاسي اللبناني. فالأسماء الفعلية المطروحة للرئاسة كلها لها: من جهاد أزعور الذي يسوّق أميركيا في الكواليس إلى زياد بارود إلى وديع الخازن إلى ناجي البستاني وعبد الله فرحات وإلى أي رئيس آخر.

عبد الهادي محفوظ

زر الذهاب إلى الأعلى