ثقافة ومجتمع

أجمل قصص الحب… بريشاتهم (1 من 2) بقلم الشاعر هنري زغيب

المصدر: بيروت- النهار العربي

قد تكون قصص الحب الأُسطورية أَكثرَ ما يستهوي القرَّاء والمتابعين من جيل إِلى جيل. وهذا ما جعلها موضوعًا رئيسًا للنحاتين والروائيين والمسرحيين والرسامين من كل العالم.

 في هذا المقال من جزءَين، أَتوقَّف عند خمس قصص حُب أُسطورية اتَّخذها رسامون موضوعًا لِلَوحاتهم.

هنا أَول ثلاث، والباقيتان في الجزء الثاني.

1. قصة كيييْكْسْ وآلْسِيُوني

هي إِحدى أَشهر قصص الحب الأُسطورية في الميثولوجيا اليونانية، عن ملك وملكة في مملكة تْراخيس. كان حبُّهما من العمق والشغف أَن مجَّدهما الآلهة في الأُولمب والبشر على الأَرض معًا ما حدا بهما، حيال هذا الوهج في حبِّهما، أَن اتَّخذا اسم زوس وهيرا (كبير الآلهة وزوجته). حين علِمَ بذلك زوس وهيرا قرَّرا معاقبتهما. وذات يوم، فيما كان كِيييْكْسْ عائدًا من إِبحاره قاصدًا الشاطئ وآلسِيوني تنتظره على رملِه، أَرسل إِليه زوس من فضاء الأُولمب صاعقةً رهيبة ضربت المركب وقتلتْ كِيييكْسْ. حين أَدركت آلسِيوني أَن زوجها لن يبلغ الشاطئ، راحت ترجو هيرا أَن تُعيده إِليها. وحين رأَتها هيرا مكسورة إِلى هذا الحد، أَشفقَت عليها وأَرسلت جثمان زوجها إِلى الشاطئ، فصُعِقَت آلسِيوني وانهارت لـمرآه ميتًا.

 أَشفق زوس عليهما فحوَّلهما عصفورَي رفراف جاءا للاحتفال بــ”يوم الفرح” الذي تربطه الميثولوجيا اليونانية بالسعادة والاكتفاء. وكلَّ عام، في الرابع عشر من كانون الأَول/ديسمبر، تهدِّئُ الآلهة موج البحر حتى يتسنى لأُنثى طيور الرفراف أَن تَبيض.

هذه الأُسطورة الجميلة تناولها الرسامان: البريطاني ريتشارد وِلْسون (1713-1782) والفرنسي شارل فان لو (1705-1765)، فرسما جثْمان كْيييكْسْ عائدًا إِلى آلسِيوني التي تنتظره على شاطئ تُراخيس. ولوحة وِلْسون عرضها في “معرض جمعية الفنانين” سنة 1768 ولاقت نجاحًا لافتًا بما نقلته من الصدق في مأْساوية المشهد.

ريشارد ولسون: ” كيييْكْسْ وآلْسِيُوني” (1760)

شارل أَندريه فان لو: ” كيييْكْسْوآلْسِيُوني” (1750)

 2.  قصة زال ورودابِه

لعلَّ قصة زال (ملك سيستان) ورودابِه (ابنة ملك كاربول) إِحدى أَجمل وأَشهر قصص الحب في الميثواوجيا الفارسية القديمة. وهي جزء من الملحمة الشهيرة “الشاهنامة” (أَي “كتاب الملوك”) للشاعر الفارسي أَبي القاسم الفردوسي (940-1019) كتبها بين 977 و1010. وفي الأُسطورة أَن زال سمع حكاياتٍ مغريةً عن أَميرة جميلة تدعى رودابِه ذات جدائل سود تتدلّى حتى قَدَمَيها. عشقَها منذ بدأَ يسمع عنها تلك الحكايات. وبالمقابل كذلك، كانت رودابِه تسمع أَخبارًا عن زال وقوَّته الفائقة، وبدأَت تشعر بميل إليه يشبه الحب.

أَخبر زال والده عن عزمه السفر والتقاء الأَميرة الجميلة. لكن والده نهاه عن ذلك لأنها من سلالة الثعبان الشيطان الملك زهَّاك عدو الأُسرة. لم يُطِع زال والده بالامتناع عن ذلك، فتوجَّهَ إِلى قصر رودابِه في سفر طويل ومُضْنٍ ومحفوف بالأَخطار. وحين  بلغ مدخل القصر ذات ليلة، رأَتْه رودابِه، ولكي تتجنب أَن يراه حراس القصر داخلًا إِليه، أَرخَت له جدائلها كي يتسلَّق بها. وما إِن أَصبحا معًا حتى تحقَّقا أَن حبَّهما قويٌّ ونهائيّ. عندئذ وضعَت الأُسرتان خلافاتهما جانبًا، ورَضِيَتَا بزواج زال ورودَبِه، فتزوَجا ورُزِقا ولدَين، أَحدُهما هو الفارس روستام أَحد أبطال “الشاهنامة”.

هذه القصة لفتَت الكثيرين من الرسامين الذين طالعوا “الشاهنامة” فوضعوا عنها رسومًا ولوحات، أبرزها ترجيحًا لرسَّام منمنمات فارسي (هو أَحد أَشهر مُنَمْنِمي القرن السابع عشر الصَفَوي) مُعين مصوِّر الأَصفهاني (1630-1693)، وهو رسم في منمنماته لحظة إِرخاء رودَبِه جدائلها من أَعلى سور القصر كي يتسلَّق بها ليصعد إِليها.

مُعين مصوِّر: “من الشاهنامة” (1630)

3. قصة سيتا وراما

تنضح الميثولوجيا الهندية بالكثير من قصص الحُب. إِحداها “قصة ديوالي”، عن الأَمير راما والأَميرة سيتا، وهي من أَشهر أَساطير شمالي الهند عن انتصار الأَمير راما عائدًا إِلى مدينة آيُودْهِيَا بعد 14 سنة من النفي بسبب مؤَامرة ضده حاكَها زوج أُمه. كان الملك الخصم رافانا حاول خطْف سيتل لكن راما نجح في إِنقاذ حبيبته سيتا التي تجسد الإِلهة لاكْشْمي. من هنا صدور منمنمات تمجِّد قصة دِيْوَالي، أَكبر مجموعة منمنمات من نوعها في الهند. رسَّاموها غير معروفين، سوى أَن أَبرز مدارس هذا الفن هي “راجاستاني” (غربي الهند) بين 1700 و1900، وباهاري (من جبال الشمال) بين 1600 و1800.

جاء في الأسطورة أن الملك داشاراتا، والد راما، وعَد إِحدى زوجاته أن تنال كلَّ ما تريد، فطلبت أن يكون ابنها رافانا ملكًا بدلًا من راما. بينما كان داشاراتا يريد أَن يكون راما هو الملك. لكنه حافظ على وعده ورضي أن يكون ما أَرادت زوجته الأخرى فيخلفه ابنُها. لم تكتفِ تلك الزوجة الأُخرى بذلك بل طلبت أَيضًا أَن يعيش راما وحبيبته سيتا 14 سنة بعيدًا في الغابة النائية وهكذا حصل. قام لاكْشامانا (أخو راما) بمرافقة راما وحبيبته إِلى الغابة ليعيشا فيها. وبعد بعض الوقت قرر الملك الشيطان رافانا أن يجعل سيتا زوجته. فخطفَها ذات يوم إلى جزيرته… أَخذ راما، العاشق المكسور القلب، يبحث عن حبيبته مقررًا قتْل الملك الشيطان رافانا. وبمساعدة الملك القرد هانومان، تمكَّن راما من إِيجاد سيتا ومن قتْل رافانا بعد قتال معه. بعدذاك قرر العاشقان العودة الى مدينتهما، ليُتوَج راما ملِكًا عليها. أَشعل سكان المدينة مصابيح الزيت كي يرى العاشقان طريق العودة. ومن يومها درجت العادة أَن تُضاء مصابيح الزيت في احتفالات دِيْوَالي لاستذكار قصة الحب الخالدة وتيمُّنًا بانتصار الخير دومًا على الشر.

“راما وسيتا” – لوحة هندية من القرن التاسع عشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى